قَوْلُ عَلِيٍّ بِن سُلْطَان مُحَمَّد القَارِّيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ
"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ)، بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْخِذْلَانِ، وَهُوَ تَرْكُ النُّصْرَةِ وَالْإِعَانَةِ (وَلَا يَحْقِرُهُ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ: لَا يَحْتَقِرُهُ بِذِكْرِ الْمَعَايِبِ وَتَنَابُزِ الْأَلْقَابِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ إِذَا رَآهُ رَثَّ الْحَالِ، أَوْ ذَا عَاهَةٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ غَيْرَ لَائِقٍ فِي مُحَادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أَخْلَصُ ضَمِيرًا وَأَتْقَى قَلْبًا مِمَّنْ هُوَ عَلَى ضِدِّ صِفَتِهِ فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ (التَّقْوَى هَهُنَا) وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَا يَجُوزُ تَحْقِيرُ الْمُتَّقِي مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَالتَّقْوَى مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَمَا كَانَ مَحَلُّهُ الْقَلْبَ يَكُونُ مَخْفِيًّا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ مَخْفِيًّا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَمِ تَقْوَى مُسْلِمٍ حَتَّى يُحَقِّرَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَحَلُّ التَّقْوَى هُوَ الْقَلْبُ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ التَّقْوَى فَلَا يُحَقِّرُ مُسْلِمًا ; لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ لَا يُحَقِّرُ الْمُسْلِمَ."
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَوْجَهُ وَالنَّظْمُ لَهُ أَدْعَى ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا شَبَّهَ الْمُسْلِمَ بِالْأَخِ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَأَنْ لَا يَرَى أَحَدٌ لِنَفْسِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا وَمَزِيَّةً، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَتَحْقِيرُهُ إِيَّاهُ مِمَّا يُنَافِي هَذِهِ الْحَالَةَ وَيَنْشَأُ مِنْهُ قَطْعُ وُصْلَةِ الْأُخُوَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا أَنْ تُوصَلَ، وَمُرَاعَاةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَمْرٌ صَعْبٌ ; لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ السُّلْطَانِ وَأَدْنَى الْعَوَامِّ، وَبَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَبَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ إِلَّا مَنِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوَى وَأَخْلَصَهُ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ، وَنَحْوِهَا إِخْلَاصَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ مِنْ خُبْثِهِ وَنَقَّاهُ مِنْهَا، فَيُؤْثِرُ لِذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَى، كَذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"التَّقْوَى هَهُنَا" (وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) مُعْتَرِضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيَحْقِرُهُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَضَمِّنٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاحْتِقَارِ، وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ مَوْقِعَ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ الْكَلَامِ مَوْقِعُ التَّأْكِيدِ. وَقَوْلُهُ: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ، وَالْمَقْصُودُ الْأَوْلَى،