يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) } [1]
قَوْلُ مُحَمَّدٍ بِن جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ لِتِلْكَ الآَيَاتِ
"يَعْنِي بِقَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) يَقُولُ: إِنَّا حَكَمْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ حُكْمًا لِمَنْ سَمِعَهُ أَوْ بَلَغَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ وَنَاصَبَكَ مِنْ كُفَّارِ قَوْمِكَ، وَقَضَيْنَا لَكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، لِتَشْكُرَ رَبَّكَ، وَتَحْمَدَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ بِقَضَائِهِ لَكَ عَلَيْهِمْ، وَفَتْحِهِ مَا فَتَحَ لَكَ، وَلِتُسَبِّحَهُ وَتَسْتَغْفِرَهُ، فَيَغْفِرَ لَكَ بِفِعَالِكَ ذَلِكَ رَبُّكَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ فَتْحِهِ لَكَ مَا فَتَحَ، وَمَا تَأَخَّرَ بَعْدَ فَتْحِهِ لَكَ ذَلِكَ مَا شَكَرْتَهُ وَاسْتَغْفَرْتَهُ."
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ لِدَلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) عَلَى صِحَّتِهِ، إِذْ أَمَرَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ إِذَا جَاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ وَفَتَحَ مَكَّةَ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ جَزَائِهِ لَهُ عَلَى شُكْرِهِ لَهُ، عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ مِنْ إِظْهَارِهِ لَهُ مَا فَتَحَ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ دُونَ غَيْرِهَا.
(1) سورة الفتح