سِنِينَ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ النُّعْمَانِ هَذَا كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي الصَّحَابَةِ، وَالْأَبْطَحُ بِمَكَّةَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ غَدِيرِ خُمٍّ إِلَى مَكَّةَ، بَلْ نَزَلَ فِيهِ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
أَمَّا حَدِيثُ"مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِّيٌّ مَوْلَاهُ"فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَبُرَيْدَةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالضِّيَاءِ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْبَرَاءِ، وَحَسَّنَهُ بَعْضُهُمْ، وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَوَثَّقَ أَيْضًا سَنَدُ مَنْ زَادَ فِيهِ:"اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ"... إِلَخْ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَذَكَرَ أُصُولَ الدِّينِ وَوَصَّى بِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ:"إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تُخْلِفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، اللَّهُ مَوْلَايَ، وَأَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ"، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَقَالَ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَمِنْهَا أَنَّ عُمَرَ لَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَهُ تَبْرِئَةُ عَلِيٍّ مِمَّا كَانَ قَالَهُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْيَمَنِ، وَاسْتِمَالَتُهُمْ إِلَيْهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كَانَ قَدْ وَجَّهَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَاتَلَ مَنْ قَاتَلَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَجَّلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُدْرِكَ مَعَهُ الْحَجَّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جُنْدِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَسَا ذَلِكَ الرَّجُلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُلَّةً مِنَ الْبَزِّ الَّذِي كَانَ مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَنَا جَيْشُهُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَ عَلَيْهِمُ الْحُلَلَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَانْتَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَأَظْهَرَ الْجَيْشُ شَكْوَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي غَزْوَةِ الْيَمَنِ، وَأَنَّهُ رَأَى مِنْهُ جَفْوَةً فَشَكَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَشْكُو عَلِيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ إِذْ لَمْ يَفْعَلُ إِلَّا مَا يُرْضِي الْحَقَّ، خَطَبَ النَّاسَ فِي غَدِيرِ خُمٍّ، وَأَظْهَرَ رِضَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَوِلَايَتَهُ لَهُ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَالَاتِهِ. وَغَدِيرُ خُمٍّ: مَكَانٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، قَرِيبٌ مِنْ رَابِغٍ، عَلَى بُعْدِ مِيلَيْنِ مِنَ الْجُحْفَةِ. قَالُوا: وَقَدْ نَزَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَطَبَ النَّاسَ فِيهِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدِ اتَّخَذَتْهُالشِّيعَةُ عِيدًا عَلَى عَهْدِ بَنِي بُوَيْهِ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِمِائَةٍ.