فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 454

هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلِّهَا، وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ سِوَاهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّوَكُّلُ جِمَاعُ الْإِيمَانِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: الْغَايَةُ الْقُصْوَى التَّوَكُّلُ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ تَوَكُّلَ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ ثِقَتُهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ التَّوَكُّلِ لَا يُنَافِي السَّعْيَ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَقْدُورَاتِ بِهَا، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَعَاطِي الْأَسْبَابِ مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَالسَّعْيُ فِي الْأَسْبَابِ بِالْجَوَارِحِ طَاعَةٌ لَهُ، وَالتَّوَكُّلُ بِالْقَلْبِ عَلَيْهِ إِيمَانٌ بِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النِّسَاءِ: 71] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الْأَنْفَالِ: 60] ، وَقَالَ: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الْجُمُعَةِ: 10] . وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: مَنْ طَعَنَ فِي الْحَرَكَةِ - يَعْنِي فِي السَّعْيِ وَالْكَسْبِ - فَقَدْ طَعَنَ فِي السُّنَّةِ، وَمَنْ طَعَنَ فِي التَّوَكُّلِ، فَقَدْ طَعَنَ فِي الْإِيمَانِ، فَالتَّوَكُّلُ حَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْكَسْبُ سُنَّتُهُ، فَمَنْ عَمِلَ عَلَى حَالِهِ، فَلَا يَتْرُكَنَّ سُنَّتَهُ.

ثُمَّ إِنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْعَبْدُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الطَّاعَاتُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِهَا، وَجَعَلَهَا سَبَبًا، لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَهَذَا لَابُدَّ مِنْ فِعْلِهِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِيهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي شَيْءٍ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ شَرْعًا وَقَدَرًا. قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: كَانَ يُقَالُ: اعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ لَا يُنْجِيهِ إِلَّا عَمَلُهُ، وَتَوَكَّلْ تَوَكُّلَ رَجُلٍ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَالثَّانِي: مَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِتَعَاطِيهِ، كَالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ، وَالشُّرْبِ عِنْدَ الْعَطَشِ، وَالِاسْتِظْلَالِ مِنَ الْحَرِّ، وَالتَّدَفُّؤِ مِنَ الْبَرْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا أَيْضًا وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْءِ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ حَتَّى تَضَرَّرَ بِتَرْكِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَهُوَ مُفَرِّطٌ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ يُقَوِّي بَعْضَ عِبَادِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت