وَقَالَ: أَهْلُ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَبَقَتَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَفْتَحُ لَهُ فِيهَا رَوْحُ الْآخِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا زَهِدَ فِيهَا، فُتِحَ لَهُ فِيهَا رَوْحُ الْآخِرَةِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْبَقَاءِ لِيُطِيعَ اللَّهَ.
وَقَالَ: لَيْسَ الزَّاهِدُ مَنْ أَلْقَى هُمُومَ الدُّنْيَا، وَاسْتَرَاحَ مِنْهَا، إِنَّمَا الزَّاهِدُ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا، وَتَعِبَ فِيهَا لِلْآخِرَةِ.
فَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرَادُ بِهِ تَفْرِيغُ الْقَلْبِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِهَا، لِيَتَفَرَّغَ لِطَلَبِ اللَّهِ، وَمَعْرِفَتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَالْأُنْسِ بِهِ، وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَتْ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الصَّلَاةَ مِمَّا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا، كَذَا فِي"الْمُسْنَدِ"وَ"النَّسَائِيِّ"، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ فِي غَيْرِهِمَا: حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ فَأَدْخَلَ الصَّلَاةَ فِي الدُّنْيَا، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ: الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا.
وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قَالَ: الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ. وَخَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مَوْقُوفًا، وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عُبَادَةَ، أَرَاهُ رَفَعَهُ، قَالَ: يُؤْتَى بِالدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ مَيِّزُوا مِنْهَا مَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَلْقُوا سَائِرَهَا فِي النَّارِ.
فَالدُّنْيَا وَكُلُّ مَا فِيهَا مَلْعُونَةٌ، أَيْ مَبْعَدَةٌ عَنِ اللَّهِ، لِأَنَّهَا تَشْغَلُ عَنْهُ، إِلَّا الْعِلْمَ النَّافِعَ الدَّالَّ عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَطَلَبِ قُرْبِهِ وَرِضَاهُ، وَذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ مِمَّا يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِأَنْ يَتَّقُوهُ وَيُطِيعُوهُ، وَلَازِمُ ذَلِكَ دَوَامُ ذِكْرِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، تَقْوَى اللَّهِ حَقَّ تَقْوَاهُ أَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى. وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ إِقَامَ الصَّلَاةِ لِذِكْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَالطَّوَافُ. وَأَفْضَلُ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلَّهِ فِيهَا، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ مِنَ الدُّنْيَا الْمَذْمُومَةِ وَهُوَ