وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ الجمعة 11، وقال: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة 24؛
وكما هو شأن التشريعات الإسلامية في بيان عاقبة مخالفتها والتمرد عليها في الدنيا والآخرة عقب عز وجل بقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: بالوقوع في المعاملات المالية المحرمة؛ وقد ورد قتل النفس في هذه الآية مطلقا، يشمل قتل المرء نفسه انتحارا كما قال صلى الله عليه وسلم: (ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة) ، ويشمل كذلك ما يؤدي إلى التقاتل بين المسلمين. والمعاملاتُ المالية الفاسدة أخطر الأسباب، والغفلة عن الله ونسيان منهجه وقيوميته أساس ذلك كله؛ لأن من يقتل نفسه ينسى أن له إلهًا هو الذي وهب الحياة وليس لأحد غيره استعجال موتها، وفي الحديث النبوي:"أن رجلا كان به جراح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة"، ومن يأكل أموال الناس بالباطل ويستدرجهم للفتنة والتقاتل من أجلها ينسى معية الله تعالى ومراقبته ومنهجه الذي لا يجوز الخروج عنه أو إلغاؤه، قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} التوبة 67.
إن الفتنة بالأموال في حالات الغفلة وضعف الإيمان وغلبة الأنانية والاستئثار والتكالب على الدنيا متبوعة غالبا بالفتنة في الأنفس: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} آل عمران 186، قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) ، وقال عن عاقبة الحرص والتكاثر: (يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده: والله لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبُنَّ به كله فيقتتلون عليه حتى يقتل من كل مائة تسعة و تسعون) ، وقد رأينا في تاريخنا الإسلامي كله العواقب الكارثية للاستئثار بالأموال واحتكارها من قبل النخب الحاكمة وأعوانها من التجار والمرابين، وما أدت إليه من ثورات الفقراء والمحرومين، ومن استغلال العدو للمظالم الاجتماعية للإيقاع بين المسلمين واحتلال بلادهم، كما هو حال آخر ملوك بني العباس، إذ بخل على الأمة بأموالها ودَفَنَها تحت الأرض، حتى إذا داهمه المغول ولم يجد جيشا يدافع به، حاول أن يفدي بها نفسه، إلا أن هولاكو أخذ الفدية ثم قتله شر قتلة، وما أخبار ثورات الجياع والمحرومين