فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 326

طالبيها فقد استدرك الوحي الكريم شأنها إن تمت بشروطها وضوابطها الشرعية بقوله تعالى عقب ذلك:

{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} . وقد قرأ الجمهور: {تِجَارَةٌ} بالرفع على أنّها فاعل لكانَ التامّة، أي:"إلا أن تَقَعَ تجارةٌ"، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلَف بالنصب {تِجَارَةً} على أنّها خبر كان الناقصة، وتقدير اسمها:"إلاّ أن تكون الأموال تجارة"؛ والاستثناء في هذه الآية منقطع بمعنى: لكن تعاملكم بالتجارة مجتنبين باطلها مباح وغير منهي عنه، ثم بين أول شرط لإباحتها وهو التراضي بقوله تعالى: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي حصول الرضا بأي صفقة تجارية بين الطرفين البائع والمشتري، كي لا يغبن أحدهما بالإكراه أو الاستغفال أو النصب، وفي الحديث النبوي أن رجلا قد أصابته آمَّة [[1] ]في رأسه فكسرت لسانه وكان لا يَدَع على ذلك التجارة، وكان لا يزال يُغْبَن، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له: (إذا أنت بايعت فقل: لا خِلابة [[2] ]، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها) . ثم كانت شروطها الأخرى المتعلقة بأصناف البضاعة، فحرمت التجارة في الخمر والنجاسات وكل ما يؤذي المجتمع أفرادا وجماعة، وحرمت الممارسات التجارية الجائرة كالحلف تزكية للبضاعة أو كتمان عيوبها، قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق) وقال: (ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالطريق يمنع ابن السبيل منه ورجل بايع إماما لدنيا إن أعطاه ما يريد وفى له وإن لم يعطه لم يف له ورجل ساوم رجلا على سلعة بعد العصر فحلف له بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه الآخر) ، وقال أبو ذر:"كنا نتحدث أن من نفر لا ينظر إليهم يوم القيامة: تاجر فاجر، وكنا نعد الفاجر الذي يحلِّي السلعة بما ليس فيها". وفي نفس السياق رفعت السنة النبوية من شأن الصدق والأمانة في الممارسة التجارية فقال صلى الله عليه وسلم: (التاجر الأمين الصدوق المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة) . كما انتثرت شروطها الأخرى في ثنايا الكتاب والسنة، فكان من شروطها الإيمانية ألا تلهي عن ذكر الله والدعوة إلى الدين والدفاع عن الأمة والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} النور 7، وقال: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا

(1) - الآمَّة: الشجة أو الجلطة تصيب الرأس.

(2) - لاخِلابة: لا خِداع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت