إلاّ عن طيب نَفس). وفي خطبة حجّة الوداع قال: (إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) ، وقال ابن مسعود:" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} إنها كلمة محكمة، ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة". لذلك حينما نزلت هذه الآية قال المسلمون: نحن لا نأكل أموالنا بالباطل، وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم، ثم لما رفعوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوضح لهم أن أكل التكارم ليس بالباطل وأنزل الله تعالى قوله: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} النور 61.
وقد أشارت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: {أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} إلى حقيقة شرعية وفطرية بني عليها العدل الإلهي في رعاية الخلق وهي أن الأموال مشتركة بين بني الإنسان، وأن تبادلها بين الأفراد والجماعات يجب أن يكون على أساس من الحق والمساواة، وأن الاستفادة منها متاحة ومسخرة لهم بمقتضى قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} الجاثية 13، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها) أي حافظوا عليها ولا تفسدوها بالتصرفات المحرمة، فلا يجوز أن تستأثر بها طائفة دون طائفة أو فئة دون فئة، أو يحتكرها الأغنياء والطبقات المترفة، قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} .
وأكل المال تعبير مجازي عن الاستيلاء عليه والتصرف فيه اكتسابا أو إنفاقا أو اكتنازا أو تداولا، كل ذلك لا يجوز أن يكون بين الناس بالباطل؛ والباطل مطلقا هو ما كان فيه إضرار بمصلحة الجماعة، أو كان مؤديا إلى فتنتها وبث الفرقة والبغضاء ونشر الفواحش فيها، أو كان بيعا لما لا يباع كالدين والعرض والذمة والأوطان وأسرار المسلمين وعوراتهم، أو كان مخالفا لمنهج الله تعالى في الكتاب والسنة غشا وخداعا ونصبا وغصبا وخيانة وظلما واحتكارا وربا وسرقة وتدليسا واختلاسا ومقامرة ورشوة واستئثارا.
ونظرا لكون التجارة أقرب المعاملات إلى الباطل لأن المتصدي لها يأخذ مالا زائدا على قيمة ما بذله فيها، ولكونها وسيطا بين الإنتاج والاستهلاك، وضرورية لجلب الحاجات ورواج السلع وتقريبها من