فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 326

التي تحفظ الأعراض وتصان بها الكرامة الإنسانية ويتطهر بها المجتمع وينتشر بها الدين وينمو بها الإنتاج في مجال القوة والثروة.

إلا أن مما ينبغي الإشارة إليه أن الرق في فجر الإسلام وصدره كان امتدادا لنظام سائد من قبل في الجزيرة العربية، وعرفا عالميا بين الأمم الأوربية والأسيوية، وشرعا معمولا به لدى اليهود يسترقون به أسرى الحروب كما يسترقون به كل سارق أو مدين عاجز عن سداد ديونه، وأن العبد والأمة لديهم سلعة تباع وتشترى ويستمتع بها، ولم يكن من الحكمة أن يصادر الإسلام في أول أمره ما يعد لدى أصحابه ثروة يعتدون بها، وشهوة نفس يفاخرون بها، فسلك التشريع في هذا الأمر سبيل التدرج في إجراء الأحكام وتطبيقها، كما هو الحال في تحريم الخمر وتحريم الربا وتحريم المتعة.

وأن فقه الرق على مدار مراحل الاجتهاد قد شاب كثيرا منه الرأيُ والأقوالُ بعيدا عن مبادئ الإسلام في الكتاب والسنة، وحُشي بأحكام لا يوجد لها أصل من نصوص الشرع الشريف، ونحن ليس لنا إلا كتاب واحد هو القرآن الكريم ورسول واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم، ومن سواه يرد ويرد عليه، كما سادته تأويلات بنيت على اعتبار الأسرى ذكورا وإناثا وإن أسلموا ثروة وبضاعة يعبث بها مالكها كما يشاء، مع أن الإسلام يعصم صاحبه دما ومالا وأعراضا، وحرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة كما قال صلى الله عليه وسلم يخاطب الحرم المكي: (مرحبا بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك، ولَلْمؤمنُ أعظم حرمة عند الله منك، إن الله حرم منك واحدة [[1] ]، وحرم من المؤمن ثلاثا: دمه، وماله، وأن يظن به ظن السوء) ، وقال: (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه) ، وأدت هذه المذاهب في الرأي إلى إباحة اختطاف الأطفال والنساء من مختلف البلاد وإنزال أحكام الرق عليهم، وإلى استحداث أحكام جديدة لهذه الحالات الغريبة والمظالم الشاذة عن نهج الإسلام مبنية على غباء في الرأي أو غلبة للهوى، فامتلأت قصور الأمراء والأغنياء بالجوارى والغلمان، وشردت سفينة الدين عن الجادة؛ وأدى هذا الشرود

(1) - هي العدوان قتالا وما في حكمه، لقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} آل عمران 97، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم يوم افتتح مكة: (فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت