فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 326

وتزكيته، فعُدَّ سكوت التشريع عنها في تلك الفترة إذنا بها أو إباحة لها، واضطربت لذلك الروايات حول ما زُعم تعددا للإذن بها أو الإباحة لها، وبالاضطراب تضعف الروايات أو تتساقط.

ثم في إشارة واضحة إلى أن الزوج والزوجة طرفان متكافئان لا يغصِب أحدهما الثاني، أباح - بعد تقدير الصداق المفروض من الله تعالى - لكل منهما أن يراضي الثاني ويلبي رغبته بما لا يخل بأحكام الشرع زيادة في المهر أو إبراء منه أو هدية أو هبة أو غير ذلك مما تطيب به النفس وتحلو به العشرة فقال تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} أي لا إثم فيما يتفقان عليه من شؤون حياتهما المشتركة بعد فرض الصداق، ما كان ذلك عن تراض بينهما وغير مخل بأحكام الدين، على أن يتذكرا دائما أن علاقتهما الزوجية موثقة بعهد الله، وهو سبحانه عليم بمدى وفائهما لبعضهما حكيم فيما يقدره لهما: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} مطلع على شؤون العباد، عليم بما يصلح لهم، مدبر بحكمته أمورهم، ومن علمه وحكمته ما وضعه من تشريع يحفظ للأسر أنسابها وأعراضها وكرامتها وأموالها.

هذه أحكام بناء الأسرة المسلمة من حيث التمييز بين ما يحل من الأنكحة وما يحرم منها على التأبيد أو على غير التأبيد، ولم تذكر نصوص القرآن علة خاصة أو عامة لما حرم من النساء، ليكون الامتثال لأمر الله فيها خالصا لا شبهة فيه، كما لم تضع للعلاقة الزوجية ما كانت تضعه الجاهلية من قيود متعلقة باختلاف الأجناس والألوان والقوميات والطبقات والمقامات، أجملنا كل ذلك في هذه الحلقة بما لا يتعارض مع الإيجاز المتبع في منهج التفسير على أن يُرجع للتفاصيل في كتب الفروع الفقهية المطولة، كي يكتمل استيعاب التشريع الإسلامي الرشيد الذي أعاد الأسرة إلى مكانتها الطبيعية في المجتمع، ومهد لها سبيل القيام بدورها الحقيقي في بناء الأمة الإسلامية الشاهدة، بما أوجبه عليها من رعاية للحقوق، وما فرضه من مساواة وعدالة، وما وثق به أعضاءها من وشائج وعهود، وما أضفاه عليهم من مشاعر المحبة والمودة والعواطف النبيلة والتعاون على البر والتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت