فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 326

{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} أي: جعل الزواج بما سوى المحرمات المذكورات في الكتاب والسنة حلالا، ثم أتبع هذا التحليل شروطه وهي: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} أي أن يكون الصداق المقدم للمرأة بنية الإحصان وهو الزواج الشرعي: {مُحْصِنِينَ} ، ليس بنية مقايضة شهوة بمال كما يفعل الزناة والزواني، بل بقصد إعفاف النفس وصيانتها عن السفاح: {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي: غير مُزانين، وعبر بالمسافحة عن الزنا لأن السفح هو صب الماء، وهو ملازم للجماع غالبا، ولكنه خُص بالزنا إذ لا غرض فيه إلا صب المني، بخلاف النكاح فإن مقصوده الولد والتعاضد والتناصر بالذرية والأختان [[1] ]والأصهار [[2] ]، وهو تعبير بالكناية المهذبة بحيث ذكر المسافحة وأراد لازمها الذي هو الزنا، وزاد الحق سبحانه الأمر في سورة المائدة توضيحا بتحريم المخادنة وهي المخاللة الدائمة أو المنقطعة المتسترة أو المعلنة بقوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} المائدة 5، ثم بين ركنية الصداق الذي كتبه تعالى للنساء شرطا لإقامة الحياة الزوجية الشرعية فقال: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ} أي: انتفعتم به {مِنْهُنَّ} على تقدير مجاز بالحذف في الجملة، أي من الزواج بهن ونكاحهن الصحيح [[3] ]، لأن للمرأة شخصيتها الاعتبارية المساوية للرجل وليست أداة أو بضاعة ينتفع بها ثم تنبذ كما تنبذ النواة، والاستمتاع يكون بالزواج بها لا بعينها، وذلك يوجب لها ما فرضه الله من المهر مقدما أو مؤخرا: {فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} .

ولا اعتداد بما يذهب إليه بعضهم من تحريف لهذه الآية وتعسف في تحميلها ما لا تحتمل بغية إباحة الزنا تحت مسمى"المتعة"، أو الاحتجاجِ بقوله تعالى فيها: {فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} ، أو بما ورد عن ابن عباس في شأنها، لأن لفظ الأجر في الآية لا يعني مقايضة انتهاب شهوة بمال، والتشريع الإسلامي أقدس من أن يبيح هذه التجارة الكاسدة المبيرة، وإنما يعني الصداق، كما يبدو واضحا من

(1) - الأختان جمع خَتَن، وخَتَنُ الرجلِ هو المُتزوِّجُ بابنته أَو بأُخته وفي الحديث عليٌّ خَتَنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَي زوجُ ابنته.

(2) - الأَصْهارُ أَهلُ بيت الزوجة.

(3) - المجاز بالحذف يكون للإِيجاز، كحذف كلمةٍ يوجد ما يَدُلُّ عليها. كما في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} يوسف 82، أي: واسأل أهل القرية؛ فحذفت (أهل) مجازًا لأن القرية لا تُسأل ولكن يُسأل أهلها، وفي قوله تعالى: {منهن} مجاز كذلك بحذف كلمة"الزواج"وتقدير التعبير:"من الزواج بهن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت