لقد نزلت أحكام ميراث الكلالة في الآية الثانية عشرة من سورة النساء، ثم لما أكثر المسلمون استفتاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها نزلت الآية 176، وهي آخر آية في سورة النساء، وقد سميت آية الصيف لنزولها فيه. فالآيتان الكريمتان متكاملتان وتعالجان حالة واحدة من طرفيها:
طرفِ ميتِ الكلالة ذكرا كان أو أنثى، في الآية الأولى قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} وهو الميت ذكرا أو أنثى، يورث أي: يُنال ميراثه - على صيغة المبني للمجهول-، وفي الآية الثانية قال: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} أي مات.
وطرفِ الورثة إخوة وأخوات مع عدم وجود الوالد والولد، في الأولى قال: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} وفي الثانية قال: {وَلَهُ أُخْتٌ} ثم قال: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً} .
إلا أن مقدار ميراث الإخوة والأخوات في الآية الأولى يختلف اختلافا كليا عن مقدار ميراثهم في الآية الثانية، في الأولى لا يتجاوز ميراثهم السدس والثلث: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} .
وفي الآية الثانية للأخت المنفردة النصف وللأختين الثلثان وللأخ المنفرد جميع المال، وللإخوة ذكورا وإناثا اقتسام المال للذكر مثل حظ الأنثيين: {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ، في أحكام أخرى نرجئ تفصيلها إلى مكانها من ميراث الإخوة الأشقاء في آخر سورة النساء.
إن اختلاف ميراث الإخوة في الآية الأولى عنه في الآية الثانية يدل على اختلاف المحكوم له وهم الإخوة، باختلاف درجة قربهم من الميت، ومعلوم أن منهم إخوة أشقاء (أعيان) ، وإخوة علات (من أب فقط) وإخوة أخياف (من أم فقط) ؛ وقد وردت في الآية الأولى قراءتان شاذتان: قراءة سعد بن أبي وقاص: (وله أخ أو أخت من أم) ، وقراءة أُبَيّ [[1] ]: (وله أخ أو أخت من الأم) ، وذُكِر أن هاتين
(1) - أُبَيَ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري، أبو المنذر، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ليهنك العلم أبا المنذر) ، وقال له: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك) ، وكان عمر يسميه سيد المسلمين ويقول: اقرأ يا أبي، ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا.
قال الواقدي: وهو أول من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وممن روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب وعبادة بن الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسليمان بن صرد وغيرهم. توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وعشرين على أرجح الأقوال، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين.