وأوانه: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} المؤمنون 106/ 108.
ولئن كان العدل حصنا يلجأ إليه كل خائف، فإن الإيمان بالله رأسُه وعمادُه، به يُنال الأمنُ وتُدرَك السلامة في الدنيا والآخرة، والكفر به تعالى رأس كل ظلم، لذلك اشتد غضب الله على الظالمين فقال عز وجل: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} الإنسان 31. ولكنه تعالى رحمة بعباده كما بعث فيهم رسله مبشرين ومنذرين، سلط عليهم مُلجِئات إلى العدل محنا وفتنا وآيات طبيعية في الأرض وفي السماء، يتدبرونها فيتوبون إن بقيت في قلوبهم بذرة إيمان أو مسكة عقل قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} البقرة 155، وقال: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم 41. وإلا كان ما يصيبهم انتقاما وحجة عليهم في الدنيا تمهيدا لعذابهم في الآخرة، قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} الزخرف 55.
تلك كانت مسيرة بني إسرائيل، كانوا يمارسون الظلم في حق الله بالشرك وفي حق رسله بالتكذيب والعدوان، وتصيبهم عند كل عصيان عقوبة فيتوبون، ثم يعودون لما نهوا عنه بعد حين، وظلوا مترددين بين العدل والظلم والإيمان والكفر إلى أن ختم الله على قلوبهم واستحقوا لعنته، فكان من آجل عقوبتهم في الآخرة النار، أما عاجل عقوبتهم في الدنيا فمنها قوله تعالى بعد أن عرض في الآيات السابقة أوجه عصيانهم:
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ، والظلم مطلقا هو وضع الشيء في غير مكانه، ولغة هو العدوان والاعتداء والتعدّي، ومنه الظُلامَةُ والظَليمَةُ والمَظْلِمَةُ: ما وقع عليك من عدوان، والانظلام وهو تحمل الظلم، كقولك ظلمه الحاكم فانظلم أي تحمل الظلم، أما الظلم شرعا فهو الميل عن الحق وتجاوزه إلى الباطل، وهو الجور، ضد العدل، ولذلك كان رأس الظلم الكفر والشرك. ثم يأتي بعده ظلم المرء نفسه وغيره من الخلق، وهو المراد بقوله تعالى عن اليهود في هذه الآية: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} ، فورد لفظ الظلم نكرة غير موصوفة لفحش ما ارتُكِبَ من عظائمه، ولدلالته الجامعة على ما سبق من كفرهم، ونقضهم الميثاق، وقتلهم الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتانًا عظيما، وقولهم قتلنا عيسى بن مريم رسول الله.
والذين هادوا هم اليهود، قيل لهم ذلك لما سبق من توبتهم عقب عبادتهم العجل، ورفع الطور فوقهم إذ تهاونوا في أخذ التوراة بحزم، وابتلائهم بالرجفة إذ سألوا رؤية الله جهرة، وقولهم بعد ذلك: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} الأعراف 156، أي تبنا ورجعنا، ولكن لم تثبت لهم قلوب على توبة ولا رسخت لهم