ويتميز العدل من الظلم وجوبا وتقام على أهل الكتاب الحجة بشهادة مَنْ أرسل إليهم فحاول قتله بعضهم وألهه آخرون، ولذلك عقب الحق تعالى بقوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وقذفوه وافتروا عليه وحاولوا قتله، وعلى النصارى بأنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا. ومن شهادته عليهم ما في قوله تعالى عنه: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} المائدة 116.
لقد عصم الحق سبحانه أولياءه من الأنبياء والمرسلين من قول السوء فليس منهم لعان ولا صخاب ولا معتد، وجعلهم أسوة للمؤمنين {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام 90، بل كانوا لمعرفتهم بربهم يتنزهون عن النطق السيئ سرا أو جهرا، ويستحون من سماعه، ويعلمون علم اليقين أن حساب الخاصة أشد من حساب العامة، ويُحِقون الفهمَ والعمل بقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 284، وقد قال تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} الحاقة 44/ 47، وقال لنسائه رضي الله عنهن: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} الأحزاب 30، لأن الذنب يعظم بعظم مقام أصحابه، وحري بالدعاة إلى دين الله أن تنضبط أقوالهم وأعمالهم بما يدعون إليه وتقتضيه دعوة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقد قال: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) ، وروى البخاري عن أنس قال:"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا لعانا ولا سبابا كان يقول عند الْمَعْتَبَة: (ما له ترِبَ جبينُه؟) "، وقالت عائشة رضي الله عنها: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، ولا سخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو أو يصفح) .
إن القول أداة للتواصل بين الناس من مختلف الأجناس والأقوام والأديان، ومن الخير أن تكون وسيلة الاتصال سليمة وسلمية، تقرب ولا تبعد، تُؤمِّن ولا تخيف، تكرِّم ولا تهين، تذكر برحمتها وطيبتها المتخاطبين جميعا أنهم أبناء أب واحد وأم واحدة، إن اختلفت خياراتهم فلا ينبغي أن تتنافر مشاعرهم، وإن تعارضت مذاهبهم فلا يجوز أن تهدر أعراضهم بسوء القول، أو دماؤهم بالتقاتل والعدوان.