{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} النساء 129، فهو العدل النفسي ميلا قلبيا ومحبة، ولا يجوز كذلك أن يكون مبررا للجور على الزوجات، أو حاملا لإيثار إحداهن على الأخرى، ولذلك قال تعالى معقبا: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} النساء 129.
وتبقى قضية فقهية أخرى حول موضوع العدل في الحياة الزوجية، وهي مسؤولية الحاكم المسلم في ضمانه وتوفيره حال قيام التعدد فعلا أو حال العزم عليه وقبل إيقاعه، وليس من شك أنه حال قيامه مع الضرر فللطرف المتضرر أو وكيله رفع الأمر إلى القضاء في إطار قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاقه الله) ؛ أما في حال العزم على التعدد وقبل إيقاعه، وهل للحاكم المسلم أن يقيده بشروط أو ضوابط، فتلك قضية اختلف حولها الاجتهاد والتأويل، وإن كان الأصل أن يمنع الحاكم المسلم كل ظلم أو تظالم ويحظر ما يؤدي إلى الجور والعدوان؛ والنصوص في هذا كثيرة لا يناسب استقصاؤها ما نحن بصدده من تفسير.
وبعد أن وضعت هذه الآيات الكريمة تشريع حماية أموال اليتامى ذكورا وإناثا من ظلم الأوصياء والأولياء، وتشريع حماية الزوجات يتيمات وغير يتيمات من ظلم الغصب والتعدد، اتجه الوحي الكريم إلى حماية حق آخر للنساء هو لهن على أزواجهن واجب، ولهن من ربهن هبة وعطاء فقال:
{وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} ولفظ"صدقات"جمع صدُقة من الصدق، أي عربون صدق الزوج في خطبته المرأة، وصَدُقَة المرأة وصُدْقَتُها وصَداقها هو ما يعطيها الزوج من مهرها، أما قوله تعالى: {نِحْلَةً} والنحلة لغة هي الهبة والهدية والعطية تفضلا وإكراما على سبيل التبرع، يقال: نحله وأَنْحَله مالًا نِحْلة ونُحْلا، إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا اسْتِعاضةٍ، بخلاف الصداق وهو واجب. وقد راعى التعبير القرآني عن الصداق في هذه الآية مصدر الأمر به وهو الله تعالى، ومصدر العمل به وهو الزوج، إذ الحَقُّ سبحانه هو الذي فرضه على الأزواج للزوجات حتما واجبا عليهم لا هبة منهم ولا تفضلا، وتفضل به عليهن نحلة وعطاء وهبة وكرما.
وكان العرف بين الناس قديما أن يأخذ الآباء الصداق لأنفسهم، كما في قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين إذ استأجره بمهر ابنته، قال تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} القصص 27.
أما في الجاهلية العربية فقد كان الواحد منهم إِذا زوَّج ابنته استَجْعل لنفسه جُعْلًا يسمَّى الحُلْوان والنافِجَة، ويقولون له: بارك الله لك في النافِجَة، فأَبطل عز وجل فعلَهم وسماه صداقا بصفته واجبا