أيضا أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عَذْق - نخلة - كان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا ... الآية} .
ومن خلال فقه هذه الآية الكريمة يتضح أن القاسم المشترك في هذه الحالات كلها هو وجوب التزام العدل في الأمر كله، وكل تصرف يفضي إلى مظلمة يعد حراما ينبغي اجتنابه، واليتيمة غنية أو فقيرة، جميلة أو غير جميلة يحفظ مالها وتعطى صداق مثلها، وتحفظ كرامتها فلا تزوج إلا برضاها ولا تعامل إلا بالحسنى، فإن علم الوصي في نفسه القدرة على العدل فله أن يتزوجها أو يزوجها غيره ممن يُرْضَى دينُه وخلقُه، وإن علم عدم قدرته على الإيفاء بهذه الضوابط الشرعية فليتق الله ويكف عن ظلمها وإلحاق الضرر بها.
وكما امتثل الأوصياء لأمر الله بالحذر من خلط أموالهم بأموال اليتامي وتحرجوا من ذلك مخافة ألا يقسطوا فيهم فعليهم أيضا أن يتحرجوا من ظلم اليتيمات عند تزويجهن أو الزواج بهن، ولهم متسع بالزواج من النساء غير اليتيمات اللائي يستطعن أن يدفعن عن أنفسهن سوء الزوج وظلمه، وأن يتحرجوا كذلك من ظلم النساء كافة عند لجوئهم للتعدد، فيقتصروا فيه بدل العشر أو أكثر - كما كان العرف عندهم - على اثنتين أو ثلاث أو أربع، مع مراعاة العدل بينهن في المعاشرة والنفقة والرعاية وحسن المعاملة، فإن لم يأنسوا من أنفسهم العدل بينهن فالأقرب إلى أن يجتنبوا الجور والظلم {أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} أن يكتفوا بزوجة واحدة لأنهم يستطيعون العدل فيها. ومن لم يستطع الزواج بواحدة فليعِفَّ نفسَه بالزواج من بعض المسلمات المملوكات بالأسر في جهاد شرعي لتثبيتهن على الإسلام وإدماجهن في المجتمع الإسلامي، وهو قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} عطفا على قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} أي:"فانكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم"، مع مراعاة العدل في جميعهن قياسا على الزوجات الحرائر، كما ورد في آية أخرى أكثر تفصيلا هي قوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان} النساء 25.
إن العدل في الحياة الزوجية واجب لا محالة، لا سيما عند التعدد، وهو متعلق بالمعاملة مساواة ورفقا وإحسانا وحسن إنفاق ورعاية، فلا يجوز أن يؤثر الرجل إحدى أزواجه دون الأخريات بملبس أو مأكل أو مشرب أو حسن عشرة أو أداء حقوق، إن استطاع القيام بذلك جاز له التعدد، وإن لم يستطع لم يجز، وكل ذلك رهن بإرادة المرء وتقواه، أما العدل المنفي استطاعته مطلقا في قوله تعالى: