فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 326

وهذه الآية الكريمة تعالج حالة اليتيمة التي بلغت سن النكاح في حجر الوصي، كما تعرض استطرادا لمظالم اجتماعية متعلقة بالتعدد ونكاح الإماء، وقد كان التشريع الإسلامي في المجتمع الإسلامي الجديد يتكامل تدريجيا، والمسلمون الجدد ما زال بعضهم يتأرجحون بين تشريعات جديدة وعادات موروثة إلا أن ينهوا عنها.

كان بعضهم تكون اليتيمة في حجره فيرغب في مالها ويتزوجها بأدنى من سُنة صداقها ويستولي على مالها ويسيء عشرتها؛ وكان الرجل عنده الأيتام يذهب ماله فيميل على مالهم ينفقها على نسائه؛ وكان الرجل إذا ضاق ماله يأخذ مال يتيمه فيتزوّج منه وينفق منه على عياله، أو يكفل العدد الكثير من اليتيمات ثم يتزوجهن أو يمتنع عن تزويجهن للاحتفاظ بأموالهن. وكانوا يتزوجون عشر نساء أو أكثر من اليتيمات وغير اليتيمات فلا يعدلون بينهن، فلما نزل النهي عن أكل أموال اليتامى وخلطها بمال الأوصياء اشتد خوفهم وتجنبوا مخالطة اليتامى إشفاقا على دينهم فلا يأكلون لهم طعاما ولا يلبسون لهم ثوبا، وعزل كل منهم يتيمه في بيت أفرده فيه وأخدمه خادما منقطعا إليه، وإن فضل له الشيء من طعامه حبس حتى يأكله أو يفسد، فشق ذلك على المسلمين وشكوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ... الآية} . وقد أخرج البخاري في تفسير هذه الآية ما رواه عروة بن الزبير أنه سأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: (يَا ابْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) ، قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ: (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} ،وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} ، قَالَتْ عَائِشَةُ:(وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} يَعْنِي هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ) ، وفي رواية أخرى للبخاري عن هشام عن أبيه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قالت: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ)، وعنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت