فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 326

الاعتداء عليه؛ لأن الخلط قد يؤدي إلى ضياعه وعدم تميزه، وقد يموت الوصي فلا يعرف مال اليتيم من ماله، ولذلك ذهب الفقه الإسلامي إلى أن الوصي إذا مات مُجْهِلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له وأخذ من تركته.

إن اليتيم وماله أمانة في ذمة الوصي أو الولي، والأمانة مؤداة لأنها من العهد الذي واثقنا به الحق سبحانه، أداؤها وفاء وجحودها خيانة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} المؤمنون 8، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الأنفال 27، وقال صلى الله عليه وسلم: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك) ؛ ولن تؤدى هذه الأمانة إلا بالقيام على اليتيم بالعدل في المحافظة على ماله، والعدل في رعايته وتربيته وتنشئته والمحافظة على كرامته وحريته ومقومات شخصيته واختياراته إلى أن يبلغ راشدا، وقد حرم الوحي الكريم في الآية السابقة وهي الثانية من سورة النساء كل أصناف العدوان على أموال اليتامى، ثم انطلق في الآية الثالثة التي تلتها إلى حماية أضعف صنف من الأيتام هو صنف الإناث، لمعالجة شأنهن المتعلق بحريتهن وكرامتهن وحقهن في الاختيار والحياة الزوجية السوية فقال تعالى:

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} . ولفظ الخوف في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ} معناه العلم أو الظن الغالب، أي: وإن علمتم، عبَّر بالخوف عن العلم، للتنبيه إلى كون المعلوم مخوفا محذورا، ولفظ {تُقْسِطُوا} من الإقساط وهو العدل، أي إن علمتم أو ترجح لديكم أنكم لن تعدلوا، والمراد باليتامى في هذه الآية يتامى النساء، لأن جمع"اليتامى"يستوي فيه الذكور والإناث، وقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ} أي ما حلَّ لكم وليس ما حَسُن لديكم، لأن الخطاب في سياق التشريع، والمحرمات من النساء كثير، وعبر ب"ما"الغالبة في غير العقلاء لِأن المقصود تعيين صفة الطيب الحلال دون تعيين ذاته، وألفاظ: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} صيغة من مَفْعَل وفُعَال، أعداد معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة، وحرف الواو بين مثنى وثلاث ورباع يراد به التقسيم أو الجمع على سبيل البدل، وليس لمطلق الجمع، وهو قول الجمهور، لأنه لوكان لمطلق الجمع لقال:"فانكحوا تسعا"، والمراد أن ينكح المرء إما مثنى لمن أراد ثنتين، أو ثُلاث لمن أراد ثلاثا أو رُباع لمن أراد أربعا، وقوله: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني النساء الأسيرات في حرب جهادية مشروعة؛ أما قوله {ألاَّ تَعُولُوا} فمن"العول"وهو الجور والميل عن الحق، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} قال: (لا تجوروا) ، أي: أقرب إلى أن تعدلوا ولا تظلموا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت