{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} الأعراف 157؛ وفي الآية نهي عام في مجال التصرفات البشرية كلها، ونهي خاص بأموال الأيتام:
أما النهي العام فحض على الحلال الطيب والمباح النافع من جميع المكاسب المادية والمعنوية والثقافية ونهي عن خبيثها، محرما كان أو ضارا أو مؤديا إلى ضرر بالمجتمع، مالا وزوجة وتجارة ونشاطا اجتماعيا وأصناف قول وعلم وعمل؛ فالكلمة الطيبة ليست كالكلمة الخبيثة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} إبراهيم 24، وقال: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} إبراهيم (26، والزوجة الطيبة والزوج الطيب ليسا كالزوجة الخبيثة والزوج الخبيث: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} النور 26. والأموال طيبها عون على الدنيا والآخرة وخبيثها مركس في الجحيم، قال صلى الله عليه وسلم:(الدنيا خَضِرَة حُلوة، من اكتسب فيها مالا من حله وأنفقه في حقه أثابه الله عليه وأورده جنته، ومن اكتسب فيها مالا من غير حله وأنفقه في غير حقه أحله الله دار الهوان، ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة، يقول الله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} الإسراء 97) .
وأما النهي الخاص فعن أموال الأيتام، ومرده إلى أنهم كانوا في الجاهلية لا يتحرجون عن أموال اليتامى الذين تحت أيديهم، فيستبدلون مال اليتيم مطلقا وهو محرم عليهم، بمال أنفسهم وهو حلال لهم، أو يأخذون الطيب منه ويبدلونه بالرديء من أموالهم، وقد أخرج ابن جرير عن السدي أن أحدهم كان يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل في مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويضع مكانه الزائف، ويقول: درهم بدرهم؛ ثم زاد الوحي الكريم الأمر توضيحا فحرم على الأوصياء والأولياء كافة أصناف الاعتداء على أموال اليتامى بقوله تعالى:
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} والمراد بالأكل معناه المجازي وهو مطلق الانتفاع، وغالبا ما يكون بخلط مال اليتيم بمال الوصي وعدم التمييز بينهما أو التحرج من استهلاكهما معا. وقد أكد الحق سبحانه التحريم في هذه الآية بصيغة النهي الجازم {وَلَا تَأْكُلُوا} ثم بذكر مقدار إثم الفعل بقوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} والحوب: الإثم، من"حاب بالشيء يحوب به حُوبا وحَوبا": أثم به؛ أي: إن هذا الفعل منكم إثم عظيم. وزاد الرسول صلى الله عليه وسلم التحريم توضيحا فقال: (اللهم إني أُحَرِّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) وفي رواية أخرى: (أحرم عليكم مال الضعيفين: اليتيم والمرأة) ، والآية صريحة في النهي عن خلط مال اليتيم بمال الوصى عليه، قَصَدَ أكلَه أم لم يقصد، سدا لذريعة