بفقد الأمّ في إطلاق وصف اليتيم إذ لا يعدم الصبي كافله، ولكنّه يعدم بفقد أبيه من يدافع عنه ويحمي ظهره وينفق عليه.
إلا أن المجتمع قد عرف أصنافا ممن ليسوا أيتاما شرعا، ولكنهم في حكم الأيتام أو أشد، كالصبية الذين يرمون من قبل مجهولين في الشوارع، ومجهولي الهوية من الأطفال المشردين، وأبناء العجزة عن الكسب لمرض أو جنون أو اضطرار، كل هؤلاء في حكم الأيتام، كفالتهم واجبة على المجتمع، وليس من عذر في التخلي عنهم.
ولليتيم عادة حالتان:
حالة فقر تقتضي رعايته وتربيته وتوفير حاجاته إلى أن يبلغ قادرا على الكسب وهو ما حض عليه الشرع وأوجبه وحذر من عاقبة التفريط فيه، فقال تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} الفجر 17/ 18، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه) وقال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) .
أما الحالة الثانية وهي التي تتناولها الآية الكريمة، فهي حالة اليتيم الغني بمال ورثه أو وهب له أو اكتسبه بأحد الوجوه الشرعية للكسب، ويكون عليه ولي من النسب أو وصي من قبل والده أو من قبل القضاء، تتوفر فيه العدالة والقدرة والشروط الشرعية للتكليف فلا يوصى لخائن أو عاجز أو سفيه أو صبي أو مجنون، وهؤلاء الأولياء والأوصياء هم الذين يحق لهم أن يتولوا تربية اليتيم وتعليمه وتزويجه ورعاية ممتلكاته وتنمية ماله إلى أن يبلغ سن الرشد غير سفيه، وهم الذين يخاطبهم الحق سبحانه بقوله:
{وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} والإيتاء حقيقته الدفع والإعطاء الحسي، يراد به في هذه الآية لازم الإيتاء، وهو فرز أموالهم عن أموال الولي والوصي وتعيينها وحفظها وكف الأيدي الظالمة عنها وتهيئتها بالعفة وحسن التصرف فيها وتسليمها لهم حال البلوغ والرشد.
ولما أمر الحق سبحانه بالعفة وحسن رعاية أموال اليتيم عقَّب بالتحذير من مرض يصيب الأولياء والأوصياء، وهو الجشع الحامل على الخيانة والطمع ونسيان المراقبة الإلهية وحساب يوم الدين فقال:
{وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} والخبيث مطلقا ما كان حراما والطيب ما كان حلالا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون 51، وقال: