فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 326

بدقيق أحوالهم وإحصائه لجميع أعمالهم؛ لذلك قال عز وجل في آخر الآية الأولى من سورة النساء: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} وجعل هذا القول منه تعالى تعقيبا على وجوب رعاية الأرحام قبلها، وتمهيدا لما يأتي بعدها من وجوب رعاية الحقوق وإعطائها مستحقيها، إذ لا حامل على العدل فيها إلا المراقبة.

إن مجرد وجود الإنسان في الحياة مسؤولية، لأن الله تعالى لم يخلقه عبثا، ولن يتركه سدى، وإنما خلقه لحكمة بالغة، وشرع له من الدين ميثاقا غليظا يبلوه به ومنهج إيمان وعلم وعمل يعبده به، وهو رقيب عليه ومحاسب له يوم الدين: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} القيامة 36، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} المؤمنون 115، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} الأحزاب 52، وحقوق الخلائق في الذمم أمانات لا يجوز خيانتها أو الاستهانة بأمرها، لأنها من مقتضيات ما واثق الله به عباده؛ لذلك ما إن ختم عز وجل تحذيره من قطيعة الأرحام وغمطها حقها في البر والإحسان والرعاية، حتى عقب بالتحذير من اغتصاب الحقوق المالية في الذمم مبتدئا بمستضعفين اثنين في المجتمع هما اليتيم والمرأة، وقد اعتاد المجتمع الجاهلي ظلمهما وسلبهما حقوقهما المالية والإنسانية، قال تعالى:

{وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} وألفاظ"اليتامى، والأيتام، واليَتَمَة"كلها جموع مفردها:"يتيم"، جذرها اللغوي: يَتِمَ الصبيُّ بالكسر يَيْتَمُ يُتْمًا ويَتْمًا، أي: مات أبوه فهو يَتِيمٌ حتى يبلغَ الحُلُم، فإن ماتت أمه فهو العَجِيّ [[1] ]، وإن فقد أبويه فهو اللطيم [[2] ]؛ وأصل اليُتْم الانفراد والغفلة والإبطاء، لأن اليتيم ينفرد بعد موت والده، ويتغافل الناس عن الإحسان إليه، ويبطئون عن بره؛ ولم يعتدّ العرب

(1) - العجي أصله اللغوي من فعل عَجَت الأُمُّ تَعْجُو ولَدَها إذا كانت تُؤخِّرُ رَضاعَه عن مَواقِيته فنشأ واهنا، وعاجيْتُ الصّبيَّ إذا أَرْضَعْتُه بلَبن غَير أُمّه أَو مَنَعْتُه اللَّبنَ وغَذَّيْتُه بالطعام، ومن ثم يطلق مجازا على الذي تموت أُمُّه.

(2) - اللَّطِيمُ الصغيرُ من الإِبل الذي يُفْصَل من أمه ويمنع الرضاع، وكانت العرب تفعل ذلك عند طلوع سُهَيْل، وذلك أَن صاحبه يأْخذ بأُذُنِه ثم يَلْطِمه عند طلوع سهيل ويستقبله به ويَحْلِف أَن لا يذوق قطرة لَبَن بعد يومه ذلك، ثم يَصُرُّ أَخلافَ أُمِّه كلَّها ويَفْصِله منها، ولهذا قالت العرب إِذا طلع سُهيلْ بَرَدَ الليلْ وامتنع القَيْلْ وللفصيل الوَيْلْ، ومن ثم أطلق اللفظ مجازا على الذي يموت أَبواه لما يناله بفقدهما من حيف. وسُهَيْلٌ كوكبٌ ورد في أساطير عرب الجاهلية أنه كان عَشَّارًا ظَلومًا فمسَخَه الله كوكبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت