فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 519

وقد أحسن أبو السعود - رحمه الله - إدراك تلك اللطيفة مفصِّلا المعني المترتب على كل وجه، مرجِّحا الوجه الأكمل إفادة والأجزل معنى وإن خالف قواعد الصنعة النحوية، وَرَدَ ذلك في نماذج عدة من تفسير أبي السعود منها قوله - تعالى شأنه-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] .

ذكر أبو السعود في جملة (ومِنَ الناس مَنْ يقول) وجهين:

الوجه الأول: أن يكون شبه الجملة (من الناس) في محل رفع مبتدأ باعتبار مضمونه، أو نعت لمبتدأ، و (مَن) في قوله (من يقول) في محل الرفع خبرا عن المبتدأ، والمعنى: بعض الناس الذي يقول، أو بعضٌ أو فريقٌ من الناس الذي يقول آمنا بالله وباليوم الآخر، وهو كقوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [الأحزاب: 23] ، على أن يكون مناط الإفادة المقصود بالأصالة اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة [1] ، وما يتعلق به من الصفات جميعا [2] .

الوجه الثاني: أن يكون (مِن الناس) خبرا مقدما، و (مَن يقول) مبتدأ مؤخرًا، على المبادلة بين ركني الإسناد، ولم يستسغ أبو السعود هذا الوجه لأن المعنى سيصير: مَنْ يقول آمنا ... مِنَ الناس، قال رحمه الله:"وأما جعل الظرف خبرا كما هو الشائع في موارد الاستعمال فيأباه جزالة المعنى، لأن كونهم من الناس ظاهر، فالإخبار به عار عن الفائدة، بل لأن خبرية الظرف تستدعى أن يكون اتصاف هؤلاء بتلك الصفات القبيحة المفصلة في ثلاث عشرة آية عنوانا للموضوع مفروغا عنه، غيرَ مقصود بالذات، ويكون مناط الإفادة كونهم من أولئك المذكورين، ولا ريب لأحد في أنه يجب حمل النظم الجليل على أجزل المعاني وأكملها" [3] .

ومثله قوله - جل ذكره- {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] .

ذكر أبو السعود وجهين [4] في جملة (منه آيات محكمات) :

الوجه الأول: أن يكون (منه) في محل رفع خبر مقدم، و (آيات) مبتدأ مؤخر [5] ، والمعنى يؤول إلى الإخبار عن الآيات المحكمات بأنها من الكتاب.

الوجه الثاني: أن يكون (منه) مبتدأ، أي: بعضٌ منه، و (آيات) خبره على عكس الوجه الأول [6] ، والمعنى: بعض من الكتاب آيات محكمات وأخر متشابهات.

(1) يعنى جملة (يقول آمنا ... ) إذا جعلت (من) موصولة فهي صلتها، وإذا جعلت موصوفة فهي صفتها.

(2) انظر: أبا السعود 1/ 93.

(3) أبي السعود 1/ 93 بتصرف.

(4) زاد أبو السعود وجها ثالثا ليس المقام مناسبًا لذكره. انظر: أبا السعود 2/ 12.

(5) أبي السعود 2/ 11.

(6) السابق 2/ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت