فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 519

من ذلك ما جاء في بيان أبي السعود - رحمه الله - معنى كلمة (صيِّب) في قوله - تعالى-: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] ، قال:"والصيِّب (فَيْعِل) من الصوب وهو النزول الذي له وقع وتأثير، يطلق على المطر وعلى السحاب، ولعل الأول هو المراد لاستلزامه الثاني، وتنكيره لما أنه أريد به نوع منه شديد هائل كالنار في التمثيل الأول [1] ، وأُمد به ما فيه من المبالغات من جهة مادته الأولى التي هي الصاد المستعلية والياء المشددة والباء الشديدة، ومادته الثانية أعني: الصوب المنبئ عن شدة الانسكاب، ومن جهة بنائه الدال على الثبات" [2] .

فالآية بصدد تمثيل حال المنافقين المستبدلين الضلالة بالهدى كما في الآيات السابقة، وقد استخدم أبو السعود معطيات اللغة لبيان فظاعة حالهم التي صورها الله - عز وجل - ببيان شدة الصيب، فهو شديد بتآلف حروفه من صاد مستعلية وياء مشددة وباء شديدة، وهو شديد أيضا بمعناه المعجمي، فهو (نزول ذو وقع وتأثير) ، وهو دائم ومقيم بدلالة بنية (فَيْعِل) على الثبات؛ فقد وظف أبو السعود - رحمه الله - الأصوات والصرف والمعجم لتصوير الصيب في النفس تعزيزا للمبالغة في كونه عظيما وهائلا ومستمرا لا يزول. رحم الله أبا السعود، فقد وظف طاقات اللغة لإبراز التمثيل القرآني بما ليس وراءه إبراز حتى لكأنه مستحضر مشاهد في عالم العيان.

ومن شواهد تلك المعالجة عند أبي السعود أيضًا ما جاء في قوله - عز اسمه-: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة: 116] . قال أبو السعود في معنى (سبحانك) :" (سبحان) عَلَم للتسبيح، وانتصابه على المصدرية، ولا يكاد يُذكر ناصبه، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق من السَّبْح الذي هو الذهاب والإبعاد في الأرض، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل، ومن جهة العدول من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن، ومن جهة إقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفي، أي: أنزهك تنزيها لائقا بك من أن أقول ذلك أو من أن يقال في حقك ذلك" [3] .

(1) يقصد بالتمثيل الأول قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] حيث مثَّل الله حال المنافقين بحال المشترين الضلالة بالهدى ثم بحال المستوقدين نارا ... انظر: تفسير أبي السعود: 1/ 112.

(2) انظر: تفسير أبي السعود: 1/ 116.

(3) تفسير أبي السعود: 2/ 577، 578.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت