من ذلك ما جاء في تفسير قوله - عز وجل-: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] .
فكلمة (مفازة) تحتمل - من حيث البنية الصرفية - أن تكون مصدرا ميميا أو اسم مكان، ولكل من البنيتين انعكاس على الدلالة، فتجوز إحداهما وتصير الأخرى تعسفا في سياق الآية الكريمة. قال أبو السعود - رحمه الله-: (بمفازة من العذاب) أي: ملتبسين بنجاة منه، على أن (المفازة) مصدر ميمي، ولا يضر تأنيثها بالتاء لما أنها مبنية عليها وليست للدلالة على الوحدة [1] .
"ولا سبيل إلى جعلها اسم مكان على أن الجار متعلق بمحذوف وقع صفة لها، أي: بمفازة كائنة من العذاب؛ لأنها ليست من العذاب، وتقدير فعل خاص ليصح به المعنى، أي: بمفازة منجية من العذاب - مع كونه خلاف الأصل - تعسف مستغنى عنه" [2] .
ومن ذلك أيضًا ما جاء في قوله - عز وعلا: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] . قال أبو السعود في (غلف) إنها جمع (أَغْلف) ، مستعار من (أغلف) الذي لم يختن، أي: مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أنه تخفيف (غُلُف) جمع (غلاف) ، فهم يعنون أن قلوبهم أوعية للعلوم فهم مستغنون بما عندهم عن غيره [3] . فالصيغة الصرفية اختلافها يؤثر على المعنى بشكل جلي.
(3) أكثر أبو السعود في تفسيره من مناقشاته مسائل علم النحو، وأبرز تجلياتها ما كان من ديدنه في إحصاء الأوجه الإعرابية التي يحتملها التركيب - في غالب الأحيان - مجملا الدلالة المترتبة على كل وجه من الأوجه الجائزة، بما يؤدي إلى إبراز اختلاف المعنى من وجه لآخر، متخذًا من السياق والمقام وحمل النظم على أبلغ الدلالات وأجزلها قاعدة وخلفية يصدر عنها فيما يرجحه أو يرده من أوجه وآراء نحوية، مما جعله في مواطن غير قليلة يخالف ما أجمع عليه الجمهور، وقد صرَّح هو نفسه بهذا في غير ما موطن، وسيأتي - إن شاء الله - بيان كلٍّ مما سبق في موضعه من الفصل والتمثيل عليه مما جاء في التفسير، فاكتُفي بالتلويح هنا واتُّسع في العبارة هناك.
(4) سخر أبو السعود طاقات اللغة كلها من أصوات وصرف ومعجم ونحو لاستنطاق بلاغيات التركيب القرآني، وصولا إلى صورة تتكامل تفصيلاتها لتكون مشهدا كليًّا يجلو المعنى القرآني في أبهى درجاته وأرقاها.
(1) انظر: تفسير أبي السعود: 2/ 198.
(2) السابق 2/ 199.
(3) انظر: السابق 1/ 237.