فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 519

ومن عنايته بالمعنى المعجمي كذلك ما جاء في قوله - تبارك اسمه-: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51] .

قال أبو السعود:"وقرئ (ليَزلقونك) بفتح الياء من (زَلَقه) بمعنى أزلقه، والمعنى: أنهم من شدة عداوتهم لك ينظرون إليك شزرًا بحيث يكادون يُزلّون قدمك فيرمونك، من قولهم: نظرًا يكاد يصرعُني، أي: لو أمكنه بنظره الصرع لفعله، أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين" [1] .

هذا بالإضافة إلى عناية أبي السعود ببيان الفروق اللغوية والدلالية الدقيقة بين المفردات القرآنية، سواء منها ما تشارك في المعنى واختلف لفظه، أو ما تشارك في اللفظ واختلف فيه ضبط البنية.

فمن الأول ما ذكره أبو السعود - رحمه الله - من الفارق بين الرأفة والرحمة في قوله - عز اسمه-: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] . قال - رحمه الله-:"الرحمة أكثر من الرأفة في الكمية، والرأفة أقوى منها في الكيفية؛ لأنها عبارة عن إيصال النعم الصافية من الآلام، والرحمة إيصال النعمة مطلقا، وقد يكون مع الألم كقطع العضو المتأكِّل" [2] . فأمثال هذه الفروق الدقيقة بين دلالات الألفاظ لا تتضح إلا لمن وقف عليها وعرف أثرها في بلاغة المعنى القرآنى.

ومن الثاني: ما جاء في تفريقه بين (القَرح) و (القُرح) بفتح القاف وضمها في قوله - تعالى-: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140] . قال - رحمه الله:"إن الفتح والضم لغتان فيه، وقد قرئ بهما [3] ، أو أن (القَرح) بالفتح الجراح وبالضم ألمها" [4] .

ومنه ما جاء في قوله- تعالي-: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ، حيث فرّق أبو السعود بين (الخلْف) و (الخلَف) قال:"يقال لعقب الخير (خلَف) بفتح اللام، ولعقب الشر (خلْف) بالسكون، أي: فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء" [5] . وتكرر مثل ذلك في تفسيره قوله -

(1) السابق 6/ 383.

(2) تفسير أبي السعود: 1/ 312.

(3) وكلتا القراءتين متواترة، انظر: حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع للشاطبي، دار السلام، ط/5، 1429 ه-2008 م ص:128. وانظر: القراءات العشر المتواترة من طريق الشاطبية والدرة لجمال الدين محمد شرف، دار الصحابة للتراث، ط/2، 1426 ه-2006 م، ص:67.

(4) تفسير أبي السعود: 2/ 144.

(5) السابق 4/ 568.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت