في تلك الفترة ترك الاحتجاج بالحديث، والاقتصار على الاحتجاج بالقرآن؛ لأنَّ الله قد تكفل بحفظه من كل تحريف، قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) {الحجر: 9} .
كما أنَّه ليس صحيحًا أنّ ابن عباس، رضي الله عنهما خاصم الخوارج بالسنن، بل خاصمهم بكتاب الله، عز وجل، روى النسائي في الخصائص بسند حسن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لمَّا خرجت الحرورية (يعني الخوارج) اعتزلوا في دارهم، وكانوا ستة آلاف، فقلتُ لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة؛ لعلي أكلم هؤلاء القوم، قال: إني أخافهم عليك، قلتُ: كلا، فلبستُ وترجلتُ ودخلتُ عليهم نصف النهار، وهم قائلون (من القيلولة أي: نائمون وقت الظيهرة) فسلَّمتُ عليهم 000 قلتُ: أخبروني ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن عمِّه؟ قالوا: ثلاث، قلتُ: ما هنّ؟، قالوا: أمَّا إحداهنَّ، فإنّه حكّم الرجال في أمر الله، والله تعالى يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) {يوسف: 40} ما شأن الرجال والحكم؟ قلتُ هذه واحدة، قالوا: وأمَّا الثانية، فإنَّه قاتل، ولم يسب سباهم، ولم يغنم، فإن كانوا كفارًا فقد حلَّ سبيهم، وإن كانوا مؤمنين، ما أحلَّ سبيهم ولا قتالهم، قلتُ: فما الثالثة، قالوا: محا نفسه عن أمير المؤمنين؛ فهو أمير الكافرين، قلتُ: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا حسبنا هذا، قلتُ: أرأيتم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله - جل ثناؤه- ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما يردُّ قولكم، أترضون أترجعون؟ قالوا: نعم، قلتُ: أمَّا قولكم حكَّم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله أنَّه قد صيَّر الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم،