يحاول هذا الكتاب أن يظهر أن الثقافة الغربية اكتسبت المزيد من القوة ووضوح الهوية بوضع نفسها موضع التضاد مع الشرق باعتباره ذاتا بديلة." [1] "
ومن الناحية المنهجية، فقد اعتمد إدوارد سعيد على دراسة الخطاب الاستشراقي بمنهجية فيلولوجية تفكيكية قائمة على دراسة الأفكار والثقافات والتواريخ، ليبرهن على أن العلاقة بين الشرق والغرب مبنية على القوة والسيطرة والهيمنة المعقدة المتشابكة. ومن ثم، يرى إدوارد سعيد أنه"ينبغي على المرء ألا يفترض أبدا بأن بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا كان للحقيقة المتعلقة بها أن تجلى. وأنا نفسي أؤمن بأن الاستشراق أكثر قيمة بشكل خاص كعلامة على القوة الأوروبية- الأطلسية- بإزاء الشرق منه كخطاب حقيقي عن الشرق (وهو مايدعي الاستشراق، في شكله الجامعي أو البحثي، كونه) . على أي حال، إن ماعلينا أن نحترمه ونحاول أن ندركه هو القوة المتلاحمة للخطاب الاستشراقي، وعلاقاته الوثيقة بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية المعززة، وقدرته المهيبة على البقاء." [2]
وعليه، فقد تمثل إدوارد سعيد منهجية ميشيل فوكو في دراسة الخطاب، ثم استحضر أفكار أنطونيو غرامشي في التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، والحديث عن التسلط الثقافي. ومن ثم، يمثل الاستشراق الغربي نوعا من التسلط الثقافي؛ لأنه يؤكد التفوق الأوروبي مقابل التخلف الشرقي، ويبين أيضا أن للغرب اليد العليا على الشرق تنويرا وتعليما وتثقيفا وتمدينا.
هذا، وقد استند إدوارد سعيد، في تعامله مع الخطاب الاستشراقي، إلى رؤية ثقافية سياسية قائمة على ثلاث خطوات منهجية، وهي: أولا، التمييز بين المعرفة الخالصة والمعرفة السياسية. وثانيا، الاهتمام بالمسألة المنهجية في التعامل مع
(1) - إدوارد سعيد: الاستشراق، ص:38 - 39.
(2) - إدوارد سعيد: نفسه، ص:41.