المفاهيم اللغوية والعلمية والأكاديمية والتاريخية والمادية. وبعد ذلك، انتقل الباحث إلى استعراض تاريخ الاستشراق الغربي في مساراته العلمية والاستعمارية، مركزا بالخصوص على الاستشراق الفرنسي، والاستشراق الإنجليزي، والاستشراق الأمريكي الذي ازدهر بعد الحرب العالمية الثانية. ومن ثم، تعامل الباحث مع الاستشراق خطابا للتحليل، معتمدا في ذلك على نظريات ميشيل فوكو وأنطونيو غرامشي. وفي هذا الصدد، يقول إدوارد سعيد:"إذا اتخذنا من أواخر القرن الثامن عشر نقطة للانطلاق محددة تحديدا تقريبيا، فإن الاستشراق يمكن أن يناقش، ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق- التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه، وحكمه: وبإيجاز، الاستشراق كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه. ولقد وجدت استخدام مفهوم ميشيل فوكو للخطاب، كما يصفه في كتابيه (حفريات المعرفة) و (المراقبة والعقاب) ذا فائدة هنا لتحديد هوية الاستشراق. وما أطرحه هنا هو أننا مالم نكتنه الاستشراق بوصفه خطابا، فلن يكون في وسعنا أبدا أن نفهم الفرع المنظم تنظيما عاليا الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبر الشرق- بل حتى أن تنتجه- سياسيا، واجتماعيا، وعسكريا، وعقائديا، وتخييليا، في مرحلة مابعد عصر التنوير. وعلاوة على ذلك، فقد احتل الاستشراق مركزا هو من السيادة بحيث أنني أومن بأنه ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق، أو يفكر فيه، أو يمارس فعلا متعلقا به أن يقوم بذلك دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل. ولا يعني هذا أن الاستشراق، بمفرده، يقرر ويحتم ما يمكن أن يقال عن الشرق، بل إنه يشكل شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لامفر منها في كل مناسبة يكون فيها ذلك الكيان العجيب الشرق موضعا للنقاش. أما كيف يحدث ذلك، فإنه ما يحاول هذا الكتاب أن يكشفه. كذلك"