فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 434

من الحقائق اللغوية التي يجب التنبيه عليها أنَّ من مفردات القرآن الكريم ما أمكن تحديد دلالتها، ومنها ما لم نجد لفظًا واحدًا اتضح لدينا معناه يمثل أقرب المعاني إليه؛ بل وجدنا عدة ألفاظ كل منها يكون قريبًا من معناه على حد سواء، مما يدل على أن هذه المفردة تقع في مفترق معانيها الخاصة، من ذلك لفظ الاستواء، والدليل على ذلك تعدد معانيه عند أهل اللغة، فقد جعلوه بمعنى سوي الخلقة والحال، يقال: كيف أمسيتم؟ فيقال: مستوون صالحون، وبمعنى وسط الشيء، ويجيء بمعنى التماثل كقوله تعالى: (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) {المائدة: 100} وبمعنى الاستقامة، وبمعنى الاعتدال كقوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5} ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) {النجم: 6} أو بمعنى البلوغ والاكتمال كقوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) {القصص: 14} والمستوي من الرجال الذي بلغ الغاية من شبابه وتمام خلقه وعقله، وذلك بتمام ثمان وعشرين إلى تمام ثلاثين، ثم يدخل في حد الكهولة، ويحتمل كون الأربعين غاية الاستواء وكمال العقل [1] فالصلاح والوسط والاستقامة والاعتدال والكمال والتمام والبلوغ، لا يمثل واحد من هذه الأمور بمفرده معنى الاستواء، بل الذي يمثل معناه المعنى الحاصل والناتج من اجتماعها، وهذا المعنى المُحَصَّل هو معنى الاستواء في كل شواهد الأوجه المذكورة، وأينما ورد في القرآن الكريم، يضاف إلى ذلك أنَّ الأوجه المذكورة جاء من اختلاف التراكيب، فقد جُعِل الاستواء في الوجه الأول بمعنى قصد الشيء، في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى

(1) ينظر: العين ص 457 ومقاييس اللغة ص 420 - 421 والمفردات للراغب ص 259 - 260 وتاج العروس 38/ 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت