ذَكَرَهُ الرَّاغِبُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ: سَوَّدَ اللَّهُ قَلَبَ مَنْ لَمْ يَعْصِ بِشُؤْمِ مَنْ عَصَى، فَصَارَتْ قُلُوبُ جَمِيعِهِمْ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ أَوِ الرَّحْمَةِ بِسَبَبِ الْمَعَاصِي وَمُخَالَطَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا اهـ. وَقَوْلُهُ: قَلْبَ مَنْ لَمْ يَعْصِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِأَنَّ مُؤَاكَلَتَهُمْ وَمُشَارَبَتَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَإِلْجَاءٍ بَعْدَ عَدَمِ انْتِهَائِهِمْ عَنْ مَعَاصِيهِمْ مَعْصِيَةٌ ظَاهِرَةٌ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبُغْضِ فِي اللَّهِ أَنْ يَبْعُدُوا عَنْهُمْ وَيُهَاجِرُوهِمْ وَيُقَاطِعُوهُمْ وَلَمْ يُوَاصِلُوهُمْ، وَلِذَا قَالَ: (فَلَعَنَهُمْ) أَيِ: الْعَاصِينَ وَالسَّاكِتِينَ الْمُصَاحِبِينَ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ أَيْ: لَعَنَهُمْ (بِمَا عَصَوْا) أَيْ: بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ مُبَاشَرَةً وَمُعَاشَرَةً وَكَانُوا يَعْتَدُونَ أَيْ: يَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَدِّ بِأَنَّ جَرَّ الْمَعَاصِي إِلَى الْكُفْرِ بِالِاسْتِحْلَالِ وَنَحْوَهُ، وَبِالرِّضَا لِلْمَعَاصِي وَاسْتِحْسَانِهَا مِنْ أَهْلِهَا. (قَالَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: مِنْ كَمَالِ إِعْرَاضِهِ وَقُوَّةِ اعْتِرَاضِهِ(وَكَانَ مُتَّكِئًا) أَيْ: عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى ظَهْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَلَسَ مُسْتَوِيًا لِلِاهْتِمَامِ بِإِتْمَامِ الْكَلَامِ (فَقَالَ: لَا) أَيْ: لَا تُعْذَرُونَ أَوْ لَا تَنْجُونَ مِنَ الْعَذَابِ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ خَلْفَ أَهْلِ تِلْكَ الْأُمَّةِ. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ) : بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيُبَدَّلُ وَبِكَسْرِ الطَّاءِ (أْطِرًا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ: حَتَّى تَمْنَعُوا أَمْثَالَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ أَمْثَالِهِمْ، فَتَمْتَنِعُوا أَنْتُمْ عَنْ مُوَاصَلَتِهِمْ وَمُكَالَمَتِهِمْ وَمُؤَاكَلَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْأَطْرُ: الْإِمَالَةُ وَالتَّحْرِيفُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، أَيْ: حَتَّى تَمْنَعُوا الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ عَنِ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ، وَتُمِيلُوهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ، وَفِي الْفَائِقِ: حَتَّى مُتَعَلِّقَةٌ بِلَا كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَظَالِمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلْ يُعْذَرُ فِي تَخْلِيَةِ الظَّالِمِينَ وَشَأْنَهُمْ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ وَتَأْخُذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَالْمَعْنَى لَا تُعْذَرُونَ حَتَّى تَجْبُرُوا الظَّالِمَ عَلَى الْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ وَإِعْطَاءِ النَّصَفَةِ الْمَظْلُومَ، وَالْيَمِينُ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ لَا وَحَتَّى، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِتِلْكَ الَّتِي يَجِيءُ بِهَا الْمُقْسِمُ تَأْكِيدًا لِقَسَمِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي رِوَايَتِهِ) : الضَّمِيرُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَفِي نُسْخَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ لِلتِّرْمِذِيِّ أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ -