أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» [1] .
إذًا: فقد تبين أن قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء:11] ليس قاعدة نافذة مستمرة تطبق كلما اجتمع ذكر وأنثى، وكان لهما نصيب من الميراث كما يتصور بعض الناس؛ بل هو قيد للحالة التي ذكرها الله تعالى وهي أن يرث جمع من الأولاد من أحد الأبوين، يتبين ذلك واضحًا من الجملة التي جاءت قبل هذا الحكم، وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء:11] فإذا اجتمع من الأولاد ذكور وإناث فإن الذكور بمقتضى كونهم عصبة يعصبون أخواتهم، فيأخذ الجميع ما يفضل عن حصص أصحاب الفروض، على أن يكون للذكور الأولاد مثل حظ الأنثيين [2] .
وبذلك نعرف أن الشارع الحكيم قد راعى وضع الوارث ومدى حاجته، ونوع العلاقة بينه وبين مورثه ذكرًا كان أو أنثى، والدليل على ذلك أنه يجعل الابن هو المكلف بالإنفاق، ولا يتطلب من المرأة أن تنفق شيئًا من مالها على غير نفسها وزينتها، (إلا حيث تكون العائل الوحيد لأسرتها وهي حالات نادرة في ظل النظام الإسلامي؛ لأن أي عاصب من الرجال مكلف بالإنفاق ولو بعدت درجته) فأين الظلم الذي يزعمه دعاة المساواة المطلقة؟!
إن المسألة مسألة حساب لا عواطف ولا ادعاء، تأخذ المرأة -كمجموعة- ثلث الثروة الموروثة لتنفقها على نفسها، ويأخذ الرجل ثلثي الثروة لينفقها أولًا على زوجه -أي: على امرأة- وثانيًا: على أسرة وأولاد، فأيهما يصيب أكثر من الآخر بمنطق الحساب والأرقام؟
وإذا كانت هناك حالات شاذة لرجال ينفقون كل ثرواتهم على أنفسهم ولا يتزوجون ولا يبنون أسرة، فتلك أمثلة نادرة، وإنما الأمر الطبيعي أن ينفق الرجل ثروته على بناء أسرة فيما امرأة بطبيعة الحال هي الزوجة، وهو ينفق عليها لا تطوعًا بل تكليفًا، ومهما كانت ثروتها الخاصة فلا يحق له أن يأخذ منها شيئًا ألبتة إلا بالتراضي الكامل بينهما، وعليه أن ينفق عليها كأنها لا تملك شيئًا، ولها أن تشكوه إذا امتنع عن الإنفاق أو قتر فيه بالنسبة لما يملك، ويحكم لها الشرع بالنفقة أو بالانفصال، فهل بقيت بعد ذلك شبهة في القدر الحقيقي الذي تناله المرأة من مجموع الثروة؟
وهل هو امتياز حقيقي في حساب الاقتصاد أن يكون للرجل مثل حظ الأنثيين وهو مكلف ما لا تكلفه الأنثى؟
على أن هذه النسبة إنما تكون في المال الموروث بلا تعب، فهو تقسيم بمقتضى العدل الرباني الذي يعطي لكل حسب حاجته، ومقياس الحاجة هو التكاليف المنوطة بمن يحملها. أما المال المكتسب فلا تفرقة فيه بين الرجل والمرأة، لا في الأجر على العمل، ولا في ربح التجارة ولا ريع الأرض ... إلخ؛ لأنه يتبع مقياسًا آخر هو المساواة بين الجهد والجزاء، وإذن فلا ظلم ولا شبهة في ظلم، وليس وضع
(1) أبو داود (3/ 121) (2892) ، الترمذي (4/ 414) (2092) ، ابن ماجه (2/ 908) (2720) ،
أحمد (3/ 352) ، الحاكم (4/ 370) .
(2) المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني: د. محمد سعيد البوطي (ص:107) وما بعدها.