عَنْ مَوَاضِعِهِ بالتغيير وسوء التأويل والتلبيس والتدليس والزيادة والنقص، تبعا لأهوائهم وشهواتهم وزيف مصالحهم.
{وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} والنسيان في هذا السياق ورد بمعنى الترك عن غفلة والترك عن قصد، أما"الحظ"لغةً فيدل على النصيب الكبير الذي يعد من يناله محظوظا، أي أنهم تركوا أكثر وأخطر نصيب مما نزل عليهم من الذكر، عقيدة ومواعظ وأحكاما شرعية، كفرا بها أو تهاونا وغفلة عنها أو انصرافا عن العمل بها، كما هو الشأن مثلا في خلو التوراة التي بين أيديهم بعد تحريفها من ذكر اليوم الآخر ومافيه من نعيم دائم وعذاب مقيم.
ثم يتجه الوحي الكريم ملتفتا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم محذرا من الثقة بهم أو الاغترار بمعسول كلامهم بقوله تعالى:
{وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} ولفظ: {خَائِنَةٍ} ورد بمعنى المصدر أي خيانة، كما في قوله تعالى: {فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} الحاقة 5، أي بالطغيان؛ وقوله عز وجل: {لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ} الواقعة 2، أي كذب، وقوله: {لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً} الغاشية 11، أي لغوا. ويجوز أن يكون لفظ {خَائِنَةٍ} صفة لموصوف محذوف تقديره:"ولا تزال تطلع على فرق خائنة من اليهود فاحذرهم. وفي الآية إشارة للرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما سبق من خيانات يهود المدينة له ونقضهم عهوده، ومحاولاتهم قتله وتسميمه. إلا أنه سبحانه وتعالى مع تحذيره من غدرهم يحضه على معاملتهم بالتسامح والصفح وعدم مؤاخذتهم بما صدر عنهم، ما حافظوا على مواثيقهم وجنحوا للمسالمة وعدم العدوان، ويخاطبه عز وجل بقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} عن أخطائهم، تأليفا لقلوبهم وتجاوزا عن زلاتهم واستدراجا لهم إلى الإيمان {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} الذين أنت يا محمد قدوتهم وأسوتهم ورائدهم إلى الإحسان."