أما جزاء الوفاء بهذه الشروط الخمسة فتضمنه قوله تعالى عقب ذلك:
{لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} والتكفير لغةً السترُ، وهو سنة مطردة في عفو الله تعالى على المذنبين من عباده إن تابوا وتمسكوا بصحيح الإيمان لقوله عز وجل: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود 114. أي: لَيسترَنَّ الله سيئاتهم ويمحوَنَّها ما وفَّوا بهذه الشروط، ولَيجزيَنَّهم بأحسن مما عملوا من الطاعة فيدخلهم الجنة: {وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .
ثم عقب الحق سبحانه ترهيبا من عاقبة الإخلال بهذه الشروط فقال:
{فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ} فمن نقض الميثاق وكفر بوجوب الصلاة والزكاة والإنفاق في سبيل الله، والإيمان بالرسل اتباعا ونصرة وتأييدا {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أضاع الطريق إلى الحق وإلى الجنة، وتاه في سبل الشقاوة والضلال.
فهل استوعب بنو إسرائيل ترغيب الله تعالى لهم في الوفاء والطاعة، وتحذيره لهم من الخيانة والعصيان إذ خاطبهم بقوله: {إِنِّي مَعَكُمْ} ؟، إن القرآن الكريم إذ يبين قوة ما واثقهم به بقوله تعالى: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء 154، وخطورة ما ارتكبوه بقوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} المائدة 70، فإنما ليعلن عاقبة أمرهم وتناسب عقوبتهم مع ذنوبهم تحذيرا للمسلمين من السير على نهجهم، ولذلك عقب الحق تعالى بقوله:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} أي: بنقضهم الميثاق {لَعَنَّاهُمْ} واللعن هو الطرد والإبعاد، أي: أبعدهم الله من رحمته، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ران عليها ما اكتسبت من الإثم فصارت صماء لا تلين لذكر الله ولا تخشع لما نزل من الحق، ومردت على العصيان والبغي والضلال كما وصفها الحق سبحانه بقوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} البقرة 74، ديدنهم أن يحرفوا ما ينزل إليهم من كلام الله تعالى وكلام أنبيائه يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ