لقد مرت العقيدة المسيحية بمرحلتين أولاهما من بعثة المسيح عليه السلام إلى مجمع نيقية المنعقد في 20 مايو 325 م، والثانية من مجمع نيقية إلى ما بعد ذلك، واحتفظت في مرحلتها الأولى لدى المتمسكين بتعاليم الإنجيل قبل تحريفه وضياع أصله بعقيدة التوحيد والإيمان ببشرية عيسى ونبوته، والاعتقاد بأن ما ظهر من شأنه وعلى يده معجزات كمعجزات غيره من الرسل عليهم السلام، ومن آخر رموز هذه المرحلة"بولس الشمشاطي"في أنطاكية مع أصحابه، وعقيدتهم أن عيسى عبد الله ورسوله وواحد من أنبيائه عليهم السلام، وكذلك"أريوس"المولود في قورينا (ليبيا حاليا) [[1] ]الذي آمن بوحدانية الله تعالى، ومخلوقية عيسى، وقاوم في سبيل ذلك كنيسة الإسكندرية فيما كانت تدعو له من الاعتقاد بألوهية المسيح وبنوته لله تعالى، وأنكر ما جاء في الأناجيل من العبارات الموهمة بذلك، إلا أن أخطر حدث كرس عقيدة تأليه المسيح في هذه الفترة كان على يد قسطنطين إمبراطور الرومان في مجمع نيقية، إذ أمر بأن يعقد مجمع ديني يضم ممثلي جميع الكنائس في العالم المسيحي للفصل في أمر الخلاف بين أريوس ومعارضيه، وكان من مقررات هذا المجمع أن اعتمد عقيدة تأليه المسيح وتكفير أريوس وكل من يؤمن ببشرية عيسى، وتحريم قراءة جميع الكتب التي تنكر ألوهيته وتحريقها، وهو ما أدى إلى اضمحلال الاتجاه التوحيدي وتناقص أتباعه وانقراضه تماما في أواخر القرن الخامس الميلادي. ثم بعد ذلك تفرقت السبل بين المسيحيين وذهبوا مذاهب شتى وشيعا متنافرة أشار إليها القرآن الكريم عند تحذيره المسلمين من الاختلاف والفرقة بقوله
(1) - قورينا مدينة تاريخية أسسها الإغريق في الجبل الأخضر في أقصى شمال شرق ليبيا، في حدود سنة 631 ق. م. تبعد عن مدينة البيضاء بحوالي عشر كيلومترات، تسمى حاليا شحات. واسمها التاريخي هو الذي منح منطقة شرق ليبيا اسم قورينائية. تتبع المدينة حاليا محافظة الجبل الأخضر. وقد ذكرت في النسخة العربية من الإنجيل باسم القيروان، كما ذكرت بالتوراة في سفر المكابيين.