كما جعل من الوفاء أداة لحفظ بيضة الدين والدفاع عن حماه، متخذا مع المؤمنين عهدا واثقهم به، وعقد معهم صفقة مربحة ومقايضة للأرواح بالجنة، فقال عز وجل: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} التوبة 110، وأكد تمام الوفاء منه بقوله عقب ذلك: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 111. فصارت الجنة بمقتضى هذا العقد ملكا للشهداء، وصارت هذه الصفقة متاحة لكل الأولياء والأصفياء في كل مكان وزمان. قال شِمْر [[1] ]: (ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة وفى بها أو مات عليها، ثم تلا(إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ... الآية) .
لقد كان صلى الله عليه وسلم في الوفاء القدوة الحسنة والإسوة الراقية والمدرسة النموذجية، أقوالا وأفعالا ونوايا وتصرفات، فتأسست بذلك النبوة الخاتمة على أرضية متينة من حسن رعاية المواثيق والعهود، كما شهدت بذلك خديجة الصديقة، إذ رجع إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من غار حراء مذعورا وقد رأى الملك لأول مرة وسمع الوحي، فقالت له: (كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) ، وشهد به أبو سفيان قبل إسلامه عندما سأله هرقل عن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره بها قال له: (سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ) . وشهدت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ
(1) - شِمْر بن عطية الأسدي الكاهلي الكوفي، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى عن أبي وائل شقيق بن سلمة وسعيد بن جبير والمغيرة بن سعد بن الأخرم وهلال بن يساف. وروى عنه أشعث بن إسحاق القمي وبدر بن الخليل الأسدي وعاصم بن بهدلة وفطر بن خليفة وغيرهم. وثقه النسائي وابن معين والدارقطني وغيرهم. قال ابن حبان: مات في ولاية خالد بن عبد الله على العراق. وقال ابن حجر: صدوق من السادسة. وذكره الذهبي في تاريخه ضمن الطبقة الرابعة عشرة