الصفحة 114 من 211

كذلك يرفض الإسلام الفلسفات التى اعتبرت القتل والقتال وإزهاق الأرواح جبلّة جُبل عليها الإنسان، وغريزة من غرائزه المتأصلة فيه .. وقرر أن القتال هو الاستثناء المكروه، وليس القاعدة ... وذلك في قول الله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} . (2) ، وليس هناك ما شرعه الله للمسلمين ووصفه أنه"كُرْه"سوى القتال! ... ولما لا وقد قال الله: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} . (3) ... ولقد بينت أحاديث النبى محمد - صلى الله عليه وسلم - وأكدت- هذه الفلسفة الإسلامية إزاء القتال، فقال رسول الله:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا". (4) ... وحتى هذا القتال -الذى كُتب على المسلمين وهو كُره لهم- والذى وقف به الإسلام ودولته عند حدود القتال الدفاعى لحماية حرية العقيدة، وحرية الدعوة من الفتنة -التى هى أكبر من القتل المادى-، ولحماية حرية الوطن -الذى بدونه لا يُقام الإسلام- ... حتى هذا القتال -الاستثناء والضرورة- قد وضع الإسلام ودولته له"دستورًا أخلاقيًا"تجاوز في سُموَّه كل المواثيق الدولية التى تعارف عليها المجتمع الدولى نظريًا، بعد أربعة عشر قرنًا من ظهور الإسلام، وتطبيق المسلمين لقواعد الدستور الأخلاقى لهذا القتال.

وهذا الدستور الأخلاقى يتمثل في ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أنه إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا ولاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلاَلٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ". (5) ، وتلك الخصال الثلاث هى: دعوتهم إلى الإسلام مع حفظ الأرواح والممتلكات، أو دفع الجزية مقابل حمايتهم، أو القتال. (6)

وقد صاغ أبو بكر -الخليفة الأول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قواعد هذا الدستور الأخلاقى للقتال والحرب، في وثيقة إسلامية، عندما أوصى قائد جيشه يزيد بن أبى سفيان (18 هـ/ 639 م) وهو يودعه أميرًا على الجيش الذاهب لرد عدوان البيزنطيين في الشام، فقال -فى وثيقة الوصايا العشر-:"إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حَبسوا أنفسهم لله -الرهبان- فدعهم وما زعموا أنهم حَبسوا أنفسهم له ... وإنى موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرًا إلا"

لمأكله، ولا تحرقن نخلًا، ولا تفرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن". (7) "

2 -] البقرة: 216 [3 - ] المائدة: 32 [4 - متفق عليه.

5 -مسلم ... 6 - هذا هو الإسلام ج 2 ص 64 7 - رواه البيهقى في السنن الكبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت