وهذه قصة ظاهرة ومثل بارز قدمته لنا آيات الله في سورة القلم عن أهل هذه القرية"ضروان"وهي من قري اليمن وقد ترادفت الأحاديث عن هذه القصة وتناقل الرواة حديثها وهي قصة أصحاب الجنة"البستان"التي احترقت وهلكت بذنوب أصحابها عندما خانوا وصية أيهم الرجل الصالح وهي قصة نفر من الشباب الجاحد المعاند الذين غرتهم الحياة الدنيا وأعماهم المال وطغي عليهم حبه فنسوا الله فهلك المال وأسقط في أيديهم. لقد كان صاحب هذه الجنة رجلا ً صالحًا كريمًا معطاء يفرق علي الفقراء والمساكين مما آتاه الله من ثمار جنته عند قطافها ومن محاصيل حقله يوم حصاده وجعل لهم نصيبًا مفروضًا يزيده كل مرة ويترك للفقراء والمساكين من فواكه بستانه ما أخطاه المنجل أو أهمله القاطفون أو ألقت به الريح أو تناثر حول الفرش الممدودة تحت الأشجار والنخيل رزقًا حلالًا وهو كثير مبارك موفور يكفهم قوت سنة حتى اعتاد الفقراء ذلك.
وكان هذا الشيخ مثالا ً صادقًا يحتذيه أهل اليسار وأصحاب البساتين في ضروان وما حولها من القري يقتدون مروءته ويفيدون من خبرته وكرمه حتى أصبح بستانه مطاف العائزين ومنتجع الغادين والرائحين. ومرض الرجل الصالح وأوصي بنيه الشباب أن يكونوا من بعده أبرارًا بالفقراء رحماء بالمساكين حتى لا يفقدوا منه بعد موته غير شخصه ولكن ما كاد الرجل يتواري في قبره حتى جحد أولاده نصيحته ودفنوا معه وصيته ولم يطالعهم موسم القطاف والحصاد ثمرة تلك الجنة حتى تأمروا علي الفقراء ومنعوهم حقهم الذي اعتادوا أيام أبيهم الصالح وأجمعوا أمرهم وأقسموا أن ينقدوا علي حرثهم عند غلس الفجر الأول لجمع الثمار والعود بها قبل أن يصل إليهم الفقراء مجموعهم"ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين"وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ونسوا الله ولم يسبحوه غير واحد منهم هو أوسطهم وأعقلهم وقد أنذرهم وذكرهم فلم تنفعهم الذكري فأرسل الله علي جنتهم النار الآكلة ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم وطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم المقطوع الممنوع وحرموا كل شئ وأقبل بعضهم علي بعض يتلامون ويندمون يوم لا ينفع الندم.
وإليكم هذه القصة في كتاب الله قال تعالي:"إنا بلونهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم * فتنادوا مصبحين أن اغدوا علي حرثكم إن كنتم صارمين * فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلها اليوم عليكم مسكين وغدوا علي حرد قادرين * فلما رأوها قالوا إنا لضالون *"