المختص بالدعوة في سبيل الله تعالى جميع المسلمين، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الدين النصيحة ) )، قلنا: لمن؟ قال: (( لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامَّتهم ) ) [1] ، فإن المختص بالقيام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل صاحب ولاية مسؤول في حدود ولايته.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبدُ الرجلِ راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) ) [2] .
ومن ثَمَّ تبدأ هذه المسؤولية من راعي البيت في بيته، والمعلِّم في مدرسته، والإمام في المسجد، والشرطي في حدود ولايته المكانية والنوعية، والقاضي في إطار ولايته القانونية، والوزير في حدود مسؤولياته الوزارية، حتى الحاكم في إطار وحدود ولايته الجغرافية والزمنية إلى الخليفة، لتمتد ولايته إلى آخر حدود الدولة الإسلامية.
أما من حيث الوسائل، فإذا كانت وسيلة الدعوة إلى الخير الخطب، والمواعظ، والدعوة الفردية، والمدارسات، وحلقات الذِّكر والعلم، ومجالس التعليم ... ، إلخ، فإن وسيلة إنكار المنكر بدفع المنكر بالأخف ثم الأشد، فإذا اندفع بالأخف، فلا يجوز دفعه بالأشد، كما ذُكِر في الحديث من دفع المنكر باليد، ثم اللسان، ثم القلب، واعتبار ذلك أضعف الإيمان؛ فذلك لأننا كما ذكرنا أن ولاية الحسبة تقتضي السرعة والحسم عند القدرة، بخلاف الدعوة التي تقتضي النصح والإرشاد، فعن سفيان الثوري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يأتيني فيريد مالي، قال صلى الله عليه وسلم: (( ذكِّرْه بالله ) )، قال: فإن لم يذَّكَّر؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( فاستعِنْ عليه مَن حولك من المسلمين ) )، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( فاستعن عليه بالسلطان ) )، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: (( قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك ) ) [3] ، فإذا كان هذا هو حكم الإسلام في حفظ الأموال التي جعل العلماء مرتبتها في الحفظ ضمن مقاصد الشرع الخامسة والأخيرة، ومن ثَمَّ فإن دفع المنكر عن الدين، والنفس، والعقل،
(1) رواه مسلم ج 1 ص 182 رقم 82.
(2) رواه البخاري ج 22 ص 43 رقم 6605
(3) رواه النسائي في سننه ج 12 ص 448 رقم 4013، وصححه الألباني: صحيح وضعيف سنن النسائي ج 9 ص 153 رقم 4081، وقال حسن صحيح، وجعله شاهدًا لحديث (( ذكِّره بالله ثلات مرات، فإن أبَى فقاتِله، فإن قتلك فأنت في الجنة، وإن قتلته فإنه في النار ) )؛ السلسلة الصحيحة المجلدات ج 13 ص 50 رقم 3247.
أخرجه البخاري في التاريخ 4/ 1/ 198 - 199، والبيهقي في السنن 8/ 336، وأحمد 3/ 422، والبزار 2/ 365/1864، والطبراني في المعجم الكبير"."