فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 177

فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [1] .

إذًا هناك صراعٌ بين العادات والتقاليد الخاطئة والموروثة عن السابقين، أو المستوردة من غير أهل الملة، وبين القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية التي رسَّخها الإسلام في قلوب الأنبياء ومَن تبِعهم من أهل الحق والمرابطين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتتغير أخلاق المجتمعات وعاداتهم، إما إلى تلك العادات والأعراف المخالفة للشرع، أو إلى ما فيه كمال لمحاسن أخلاقهم، كما أنزلها القرآن بحسب غلبة كليهما على الآخر، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .

ولاحِظ معي أن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتعلَّق بالأفعال لا بالمعتقدات، بمعنى أن ما يعتقده الشخص من أمور تخالف عقيدة الإسلام يخرج عن مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليدخل في مجال الدعوة إلى الله تعالى، ومن ثَمَّ يخرج بالتبعية عن دائرة الأمر والنهي إلى دائرة النصح والإرشاد والدعوة بالخير؛ أي: يخرج عن دائرة الولاية والحسبة إلى دائرة الدعوة بمفهومها الواسع التي يشارك فيها الكافة ولو بكلمة أو بآية، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( بلغوا عني ولو آية ) ) [2] ، فمَن تعلم آية من كتاب الله تعالى تحمل مسؤولية تبليغها للناس، أما انتداب جماعة أو هيئة للدعوة في سبيل الله تعالى، فليس إلا تأطيرًا لهذه الدعوة في عمل مؤسسي جمعي، لتؤتي ثمارها ضعفينِ؛ إذ لا شك أن العمل الدعوي الجمعي المنظَّم أكثر بركة من العمل الفردي.

من هنا نفهم الفصل بين العمل الدعوى والعمل الحسبي، وأن لكل منهما مجالَه المستقل من حيث الطبيعة والشروط والاختصاص والوسائل، فإذا كان طبيعة الدعوة تقتضي التمهل واللين في الخطاب للمدعو، والتدرج معه في النصح والإرشاد، فإن طبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي السرعة والحسم والتقصي والحساب، كل ذلك بحسب القدرة والمرحلة التي تمر بها الجماعة المؤمنة؛ بحيث لا يتخلَّف عن ذلك فتنة أو ضرر أكبر، كذلك لو أن للقيام بالدعوة اشتراطَ علمِ الداعية بالمسألة المدعو إليها، فإنه يشترط للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلوغ المستوى الكافي من العلم بجميع المنكرات والأحكام التكليفية، حتى لا ينكر المحتسب معروفًا ولا يأمر بمنكر، وهو ما يتطلَّب تأهيل المحتسب قبل اشتغاله بهذه الوظيفة، والتحقق من تمكُّنه من العلم بالأحكام التكليفية وفقه الواقع وكيفية معالجتها بفقه تغيير المنكر، كذلك يظهر الفارق بينهما لو كان

(1) رواه مسلم ج 1 ص 168 رقم 71.

(2) رواه البخاري ج 11 ص 277 رقم 3202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت