فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 163

من يرى أن التغير التاريخي الشامل الذي أحدثه الإسلام على النظم والأوضاع والأخلاق والقيم الدينية والاجتماعية والسياسية والإنسانية هو بمقاييس الحداثة نفسها حداثة. وأنه اقدر على الاستيعاب بحكم كونيته وعالميته إذا أبرزت بشكل صحيح خصائصه وتجلت في أحكامه.

وبطريقة تعتمد إرضاء جميع الأطراف ما ذهب إليه أحد المفكرين:"أن الاجتهاد هو حداثة المسلمين، وإذا صارت مجتمعاتهم تئن من وطأة الجمود والتأخر، فمرد ذلك إلى تخليهم عن الاجتهاد وتشبتهم بالتقليد [1] . لكن السؤال المطروح أي اجتهاد ومن له الحق في الاجتهاد؟"

خاصة، أضحى في الآونة الأخيرة، كل من له زاد علمي أو حقد على الدين، بهرجة في التطاول بفتاوى سائبة الغرض منها الخروج على الفطرة السليمة .. !! [2]

أما الاتجاه الآخر؛ فيعلن التمرد على التراث والقيم؛ في محاولة يائسة لاستئصال ومحو الثقافة العربية والإسلامية، والاقتداء بالنموذج الغربي غثه وسمينه لكن .. هيهات .. هيهات، فقد وجد نفسه معزولا في وسط أمواج متلاطمة أفقدته هويته وجذوره التاريخية من جهة ولقي صدودا وتمعرا من طرف ذويه الذين حصنتهم ثقافتهم الإسلامية من شرور وآثام هذا التيار الحداثي الجارف من جهة أخرى. وبالتالي أصبح مثل الغراب الذي أراد تقليد الحمامة فلا هو أتقن مشيتها ولا هو حافظ على مشيته أو على حد تعبير الأستاذ محيي الدين عطية"كمن حشر في مقعد غيره، وبدل أن يبحث عن مقعد يلائم حجمه بدأ يحاول التكيف مع وضعه الحرج في صورة كاريكاتورية مضحكة."

وهذا الاتجاه المغالي؛ يمثله كل من المفكر الجزائري محمد أركون والمصري ناصر حامد أبو زيد والمفكر المغربي عبد الله العروي وكمال أبوديب ومحمود درويش من فلسطين وعبد الله الغذامي وسعيد السريحي من السعودية .. والقائمة طويلة؛ الذين أعلنوا ما يسمونه"القطيعة الابستمولوجية مع التراث" (ويقصدون بطريقة أو بأخرى الإسلام) أو ما يسمى"بالتاريخانية" [3] .

إذن ما معنى الحداثة وماهي المفاهيم والمصطلحات اللصيقة بها؟ وهل هي مجرد كلمات لغوية، أم أنها ذات حمولة إيديولوجية، تاريخية وفلسفية تتخطى المضمون اللغوي العادي؟ وهل يمكن الحديث عن حداثة واحدة

(2) - لا يحق لأحد الخوض في الاجتهاد الفقهي إلا لمن يملك الكفاءة وشروط العلم بان يكون عارفا باللغة العربية وماهرا في التفسير وعلم الحديث والناسخ والمنسوخ وأصول الفقه وغيرها من العلوم المجمع عليها لدى علماء الإسلام، ولقد نهى الإسلام عن القول بغير علم بشدة، من ذلك قوله تعالى:"لا تقف ما ليس به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا"سورة الإسراء الآية 36

(3) -التاريخانية (( Historicisme: مصطلح أطلقه أهل الاستئصال الثقافي و أصحاب الإرهاب الفكري على الإسلام، ويعنون به فهم الإسلام في حدود الحقبة الزمنية التي ظهر فيها، وفي ضوء البنية الاجتماعية والثقافية التي عمل عبرها، مع التأكيد على نسبية وعدم اتساع قواعده ومفاهيمه لتطبق على حقب زمنية لاحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت