فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 163

ثم إن مكانة السنة و السيرة النبوية، تزداد أهمية، وتشتد حاجة الأمة لها، عند ظهور الفتن والمدلهمات وكثرة البدع والمحدثات.

ولذلك لما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ووعظهم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت لها العيون؛ قال في وصيته تلك عليه الصلاة والسلام:

(فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدبين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) [1] .. فكأنما أعدهم إعدادا لما ستؤول إليها الأمور؛ لذا أرشدهم إلى خطوات عملية -بعيدة عن الجدليات السوفسطائية- لخوض غمار المحاورة والمناظرة بل المواجهة الفكرية.

والقارئون للتاريخ والناظرون في أحوال الأمم السالفة يرون أن هذا العصر هو أشد فتكا (العولمة، الغزو الثقافي والفكري والخلافات المذهبية .. ) لكن الأدهى والأمر ظهور ثلة كبيرة من أبناء الأمة يتبعون سننهم وما أروع كلام الملهم الفاروق:"والله ما أخشى على الإسلام من أعدائه ولكن أخشى عليه من أدعيائه".

إن هذا الهجوم السافر من الغرب اليوم على بلدان المسلمين والصراع والخلاف المستحكم مع بني جلدتنا من العلمانيين؛ يجب أن يكون مصدر تفاؤل ورجاء لا يأس وخوف.

بل أكثر من هذا؛ ينبغي أن لا يغيب عن أذهننا، أن المواجهة بين المسلمين وأعدائهم لم تتوقف منذ فجر الإسلام، مصداقًا لقول الله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [ (217) سورة البقرة] ، فالمعركة مستمرة، وإن تعددت ساحاتها وتبدلت أسلحتها؛ لأن الشر من لوازم الخير، يقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [ (31) سورة الفرقان] ، فسنة التداول الحضاري من طبيعة الحياة، {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [ (140) سورة آل عمران] ، ولعل ذلك من أقدار الله الغلابة ومن ابتلاءات الخير والشر، فالمسلمون مستهدفون بأصل إيمانهم وليس بسبب كسبهم أو فعلتهم في كثير من الأحيان، قال الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ (8) سورة البروج] . لكن لنا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم خير معين.

* لماذا السيرة النبوية: تعد السيرة النبوية شفاء لكل عليل من الامراض الفكرية البشرية السقيمة ورحم الله ابن القيم؛ إذ يقول في كتابه (زاد المعاد إلى هدي خير العباد) : وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء، فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدسي وظنون وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه

(1) - حديث أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وغيره. وهو من أصول الدين، ومن قواعد السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت