ما فعَل الله بهم؛ دمَّرهم، وخسف بهم الأرض، وأمطَر عليهم حجارةً من سجيل، ألا وإن بابَ التوبة مفتوح؛ {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] ، لكنهم عادُوا للاستهزاء والسخرية، وتصنَّعوا قلَّة الفهم، وأنه يكلِّمهم بكلام لا يفقهونه فقالوا: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] .
وهكذا بعد أن أفلَسوا من الجدال الفكري، ولم يستطيعوا مقارعةَ الحُجة بالحجة، لجؤوا إلى القوة والتهديد، وهو دأب كلِّ مفلس فكريًّا؛ فهددوه بالرَّجم، لكن رحمة الأنبياء التي فُطِروا عليها، جعَلت شُعيبًا لا يمل ولا ييئس مِن هدايتهم، فخاطَبهم برقته المعهودة، وأنهم ما زالوا قومَه، فقال لهم: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود: 92] ، أنتم لَم ترجموني مخافة عشيرتي وأقربائي، أو لأجلهم واحترامًا لهم؛ لأنهم على دِينكم، فجعلتم لهم هذه المكانة، فيا ليتكم فعلتم هذا مِن أجل الله الذي أرسَلني إليكم، أرهطي هؤلاء أعزُّ عندكم من الله؟ إذًا أنتم ما زلتم تجهلون، تنظرون إلى القوةِ المادية التي أمامكم فتخافون منها، وتحسبون لها حسابًا، ولا تحسبون حسابًا لقوةِ الله التي تدمِّرُكم كما دمرت مَن سبقكم من أمم الضلال، ولما أعذر في هدايتهم إلى الطريق المستقيم، وسلَك معهم كلَّ السبل الداعية إلى الحق عند ذلك، قال لهم بلُغَة التهديد والوعيد: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] ؛ أي: إنكم ما زلتم تصرون على الكفر والتطفيف، فابقَوْا على ما أنتم عليه معاندينَ، كما أني متمسِّك بما دعوتُكم إليه، وسأبقى على مبدئي أيضًا، فلا تظنُّوا أنكم بإصرارِكم على موقفكم وعنادِكم وكفركم أني سأتغيَّر أو أغيِّر موقفي ودعوتي من أجلِكم، لا، بل ابقَوْا أنتم على موقفكم الضالِّ، وسأبقى أنا على موقفي الداعي إلى الله، وانتظروا، وسأنتظر أنا أيضًا لنرى عاقبةَ هذا الأمر، ولسوف ترَوْنَ الحق من الباطل، وترَوْن عاقبةَ إصراركم على موقفكم المُخزي، وما سيحلُّ بكم من دمار؛ قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 94، 95] .
وهكذا كان تدميرُهم بالصيحة، وما أدراك ما مقدار هذه الصَّيْحة؟ إنها شيء شديد الانفجار، يدمِّر كل شيء، ويُحدِث هِزَّة وزلزلة عظيمة، فأصبحوا بعدها جاثمين ميتين، وأصبحت مدينُ بعد هذا دارَ خراب، كأن لم يكن فيها أحدٌ من قبل، عادت بلقعًا خربًا، تسفيها الرمال،