الصفحة 96 من 193

هذا، وتنطبق مواصفات المدرسة الرأسمالية الفرنسية على المدرسة العربية التي تعيد إنتاج القيم نفسها التي تسهر عليها الطبقة السائدة، وتتميز أيضا بخاصتين متقابلتين: التوجيه المهني والتوجيه العالي. أي: إن التعليم العربي خاضع أيضا لنظرية القناتين أو المسلكين، ومازال المغرب- على سبيل التمثيل- متشبثا على مستوى التخطيط والتوجيه التربوي بالتعليم المهني، قصد الحد من ظاهرة بطالة حملة الشهادات العليا والدكتوراه. وهذا يبين لنا مدى تبعية المدرسة المغربية المتخلفة للمدرسة الفرنسية الرأسمالية في تجسيد تناقضات المجتمع الصارخة اقتصاديا واجتماعيا وطبقيا.

ويتمثل بازل برنشتاين (Basil Bernstein) [1] التصور اللساني الاجتماعي، الذي يقر بأن الطبقات الوسطى والعليا تملك سننا لغويا واسعا ومرنا ورصينا، يتسم بالخصوبة، واتساع معجم مفرداته، ويتميز بخاصية الاسترسال في التعبير، واستعمال الجمل الطويلة الحافلة بالنعوت والصفات، فضلا عن تشغيل الجمل البسيطة والمركبة الفاصلة والواصلة، واستعمال المصادر المؤولة، وتمثل التفكير المنطقي المتسلسل، والارتكان إلى التحليل المجرد الرمزي الذي يستوعب كل التناقضات. أما طفل الفئات الدنيا، فيشغل سننا لغويا ضيقا بسيطا وفقيرا على مستوى اللغة والتعابير والمفردات، ناهيك عن قصور في التعبير والإنشاء، وخلو الفقرات من التسلسل والتآلف التركيبي، ونقص في التقديم والاستنتاج والبرهنة، والميل بكثرة إلى المحسوس والملموس. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على فقر بيئة الطفل اللغوية، والتي تؤثر سلبا على مستوى التعليمي للطفل، وتواصله الشفوي والكتابي داخل المؤسسة التربوية.

وهناك من يدعو إلى إلغاء المدرسة الرأسمالية، والقضاء عليها، مادامت ذات أبعاد طبقية وإيديولوجية- كما عند إي?ان إليتش IVAN ILLICH- في كتابه: (مجتمع بدوم مدرسة) [2] ، وذلك أن السيد إليتش:"ينزع أحيانا إلى القول بأن المدرسة ملائمة للعصر الصناعي، وأنها من إرث مخلفاته، وينبغي أن تشجب فقط في البلدان المتخلفة، وخاصة بلدان أمريكا اللاتينية، حيث لاتستطيع أن توفر الانطلاقة اللازمة، وحيث يكون حذفها شرطا لازما لحذف الاستعمار، والقضاء عليه. إلى أنه في أحيان أخرى، يطلق أحكاما تنادي بالقضاء عليها قضاء جذريا، ويرى فيها مؤسسة بالية أنى كانت." [3]

إذا كانت المقاربة الصراعية لاترى في المدرسة سوى فضاء للتطاحنات الإيديولوجية والطبقية، وفضاء للتفاوت الاجتماعي والثقافي واللغوي والاقتصادي. وبالتالي، فقد أدت بالمدرسة إلى الفشل والإفلاس اللازمين، حيث صارت المدرسة عند الكثير من الملاحظين مؤسسة الخيبة والمأساة، ومجالا لمختلف الصراعات الجدلية، وفضاء للتناقضات الصارخة. فهناك من يعارض هذا الطرح الصراعي، فيرى المقاربة الصراعية ذات أبعاد سياسية وحزبية

(3) - گي أ?انزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ترجمة عبد الله عبد الدائم، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1981 م، صص:456 - 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت