(المنهجية المتعددة التخصصات:
تهدف المنهجية أو المقاربة المتعددة التخصصات إلى التعامل مع النص أو الخطاب أو الظاهرة في ضوء مجموعة من التخصصات العلمية والمعرفية المتداخلة والمتقاطعة. ويعني هذا أنه من الصعب بمكان الحديث في هذا السياق عن منهجية خالصة ومستقلة، بل نجد تلك المنهجيات المستخدمة منصهرة في بعضها البعض، ومندمجة بشكل كلي، يخدم فيه المنهج الواحد المنهج الآخر. أي: إن المقاربة المتعددة التخصصات مقاربة منهجية مفتوحة، تدرس النصوص والظواهر في مختلف تجلياتها، وذلك في ضوء مجموعة من العلوم والتخصصات المعرفية المتعددة والمتشعبة، بغية الحصول على الدلالة، وبناء المعنى. وبهذا، تكون هذه المنهجية مرنة، ومنفتحة، وموسوعية، تشترك في بنائها مجموعة من المناهج والتخصصات المتعددة. فليس ثمة نظرة ضيقة أحادية، ولابعد منهجي واحد في التعامل مع القضية التربوية أو الظاهرة الثقافية فهما وتفسيرا.
هذا، وتعمل هذه المنهجية على استجلاء مختلف مستويات الدلالة النصية، وتفسيرها ضمن تعددية دلالية وتأويلية. بمعنى أن ظاهرة ما، كالظاهرة التربوية مثلا، تقدم معرفة إنسانية معقدة في مختلف تمظهراتها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، والثقافية، والبيداغوجية، والديداكتيكية. بمعنى أنها ظاهرة متشعبة ومركبة، من الصعب مواجهتها بمنهج علمي واحد، محدد نظريا وتطبيقيا. فلابد من الاستعانة بجميع المناهج، قصد الإحاطة بالظاهرة التربوية من جميع جوانبها سطحا وعمقا، بغية الظفر بالدلالة التي قد تنتج عن مستويات مختلفة للمعنى. زد على ذلك، تتعامل المقاربة المتعددة التخصصات - بالضبط - مع الظواهر المركبة التي تحمل في طياتها أنساقا متعددة، ومستويات مختلفة من الدلالات. كما تتعامل هذه المنهجية مع الظواهر الغامضة والمعقدة والمركبة والمتشعبة، كالظواهر التربوية والديداكتيكية ...
وعلى أي حال، تدرس المقاربة المتعددة التخصصات موضوعا اختصاصيا ما، وذلك في ضوء تخصصات أخرى في آن معا. ويعني هذا أننا إذا أخذنا موضوع العمل مثلا، فيمكن دراسته أو معالجته من زوايا متعددة (اقتصادية، واجتماعية، ونفسية، ودينية، وأخلاقية، وسياسية، وتربوية ... ) ، حيث يمكن لأي باحث، في أي ميدان أو تخصص ما، أن يدلي بوجهة نظره حول الموضوع. أي: إن العلماء في شتى التخصصات سيقدمون آراءهم حول هذا الموضوع المرصود بشكل علمي وموضوعي، من خلال التركيز على مجموعة من الفرضيات والأهداف والمبادئ والوسائل والقيم. ومن هنا، فالمقاربة المتعددة التخصصات، مادامت أنها منهجية تعتمد على التعددية في الآراء، وتستند إلى فلسفة التنوع، ومنطق الاختلاف في إصدار الأحكام التقويمية، فهي تتنافى مع المنهجية الأحادية النسبية التي تقصي المعارف والعلوم الآخرى، وتبعد كل وجهات النظر المقابلة والمخالفة.
هذا، وقد ظهر مصطلح تعدد التخصصات (interdisciplinarite) بالولايات المتحدة الأمريكية في سنوات الأربعين من القرن العشرين، للإشارة إلى الأبحاث التي أجريت على الذكاء الاصطناعي. وبعد ذلك،