الصفحة 30 من 193

الذي سيتحمل على عاتقه كبريات الوحدات الخطابية الدالة. وبهذه الكيفية، تبرز وحدة البحوث الجارية اليوم في الأنتروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي، والأسلوبية، حول مفهوم الدلالة ... إن المعرفة السيميائية لا يمكن أن تكون اليوم سوى نسخة من المعرفة اللسانية، ... لأن هذه المعرفة يجب أن تطبق، على الأقل كمشروع، على أشياء غير لسانية". [1] "

وهكذا، فقد استلهم رولان بارت العناصر اللسانية للدفع بالبحث السيمائي إلى الأمام، بالاعتماد على ثنائيات منهجية لسانية، مثل: اللسان والكلام، والدال والمدلول، والمركب والنظام، والتقرير والإيحاء.

وعليه، فالسيمياء - حسب بيير غيرو (Pierre Guiraud) - ماهي إلا العلم الذي:"يهتم بدراسة أنظمة العلامات: اللغات، وأنظمة الإشارات، والتعليمات، إلخ ... ويجعل هذا التحديد اللغة جزءا من السيمياء. الواقع أننا نجمع على الإقرار بأن للكلام بنيته المتميزة والمستقلة، والتي تسمح بتحديد السيمياء بالدراسة التي تتناول أنظمة العلامات غير الألسنية، مما يحتم علينا تبني ذلك التحديد." [2]

وهكذا، فقد ظهرت نظرية العلامات العامة منذ بداية القرن العشرين، فتمسك الأنكلوسكسونيون بالسيميوطيقا. في حين، اختار الأوروبيون السيميولوجيا. ويمكن أيضا التفريق بينهما بشكل دقيق، فنقول: إن السيميولوجيا عبارة عن نظرية عامة، وفلسفة شاملة للعلامات، أو هي بمثابة القسم النظري. بينما، تعد السيميوطيقا منهجية تحليلية، تشغل في مقاربة النصوص والخطابات والأنشطة البشرية تفكيكا وتركيبا، وتحليلا وتأويلا، أو هي كذلك بمثابة القسم التطبيقي للسيميولوجيا. ولكن، بعد افتتاح المؤسسة العالمية للدراسات السيميائية التي تصدر مجلة تحت عنوان: (السيميوطيقا / Semiotica) ، وهي تهتم بشكل من الأشكال بالبحوث التي تسير في هذا الاتجاه، اجتمعت الآراء والتدخلات فيها على اختيار مصطلح السيميوطيقا تنظيرا وتطبيقا.

ومن ثم، فالسيميوطيقا عبارة عن لعبة التفكيك والتركيب، وتحديد البنيات العميقة الثاوية وراء البنيات السطحية المتمظهرة فونولوجيا، وصرفيا، ودلاليا، وتركيبيا. ومن ثم، تستكنه السيميوطيقا مولدات النصوص والخطابات، وتبحث في تكوناتها البنيوية الداخلية، وتبحث جادة عن أسباب التعدد، ولانهائية الخطابات والنصوص والبرامج السردية، وتسعى إلى اكتشاف البنيات العميقة الثابتة، وترصد الأسس الجوهرية المنطقية، والتي تكون وراء سبب اختلاف النصوص والجمل والملفوظات والخطابات. وبالتالي، فالسيميوطيقا لا يهمها ما يقوله النص، ولا من قاله، بل ما يهمها هو: كيف قال النص ماقاله؟ أي: إن السيميوطيقا لايهمها المضمون، ولا حياة الكاتب أو المبدع أو سيرته، بقدر ما يهمها شكل المضمون. ويمكن استخدام السيميائيات بكل مفاهيمها المتنوعة في مقاربة جميع الظواهر الإنسانية والبشرية، بما فيها القضايا التربوية، وذلك بغية تفكيكها وتركيبها.

(1) - رولان بارت: مبادئ في علم الدلالة، ترجمة محمد البكري، عيون المقالات، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1986 م، ص:30 - 39.

(2) - بيير غيرو: نفسه، ص:5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت