الصفحة 29 من 193

إلخ ... على أن اللغة هي أهم هذه الأنظمة على الإطلاق. وصار بإمكاننا، بالتالي، أن نرتئي علما يعنى بدراسة حياة العلامات داخل المجتمع، وسيشكل هذا العلم جزءا من علم النفس العام. وسندعو هذا العلم سيميولوجيا (Semiologie) . وسيتحتم على هذا العلم أن يعرفنا بما تتشكل منه العلامات، وبالقوانين التي تتحكم فيها. وبما أنه لم يوجد بعد، فيستحيل التكهن بما سيكون عليه. ولهذا العلم الحق بالوجود في إطاره المحدد له مسبقا، على أن اللسانيات ليست إلا جزءا من هذا العلم، فالقوانين التي قد تستخلصها السيميولوجيا، ستكون قابلة للتطبيق في مجال اللسانيات. وستجد هذه الأخيرة نفسها مشدودة إلى مضمار أكثر تحديدا في مجموع الأحداث الإنسانية." [1] "

وعليه، يحصر دوسوسير العلامات داخل أحضان المجتمع، ويدرج اللسانيات ضمن السيميولوجيا، بينما يرى الأمريكي شارل سندرس بيرس (CH.S.Pierce) بأن السيميوطيقا مدخل ضروري للمنطق والفلسفة في الفترة الزمنية ذاتها، والتي استعمل فيها دوسوسير مصطلح السيميولوجيا. وفي هذا النطاق، يقول بيرس:"إن المنطق في معناه العام هو مذهب علامات شبه ضروري وصوري، كما حاولت أن أظهره، وفي إعطائي لمذهب صفة"الضروري"و"الصوري"، كنت أرى وجوب ملاحظة خصائص هذه العمليات ما أمكننا. وانطلاقا من ملاحظاتنا الجيدة، التي نستشفها عبر معطى، لا أرفض أن أسميه التجريد، سننتهي إلى أحكام ضرورية ونسبية إزاء ما يجب أن تكون عليه خصائص العلامات التي يستعين بها الذكاء العلمي." [2]

ومن هنا، يرى دوسوسير بأن العلامات السيميولوجية لا تؤدي إلا وظيفة اجتماعية. بينما يثبت بيرس بأن وظيفة السيميوطيقا منطقية وفلسفية ليس إلا. وهكذا، أصبحنا أمام مصطلحين: السيميولوجيا لدى الأوربيين، وذلك بفضل دوسوسير الذي استعمل مصطلح (Semiologie) في كتابه: (محاضرات في اللسانيات العامة) سنة 1916 م، ومصطلح السيميوطيقا (La semiotique) لدى الأمريكيين، لكون بيرس استخدمه باسم علم الدلالة العام. هذا، ويعتبر رولان بارت (Roland Barthes) من المدافعين عن مصطلح السيميولوجيا، وخاصة في كتابة: (عناصر السيميولوجيا) ، حيث عد السيميولوجيا جزءا من اللسانيات، من خلال رصده لبعض الثنائيات المنهجية، مثل: الدال والمدلول، والدياكرونية (التطورية) والسانكرونية (التزامنية) ، والمحور الأفقي والمحور التركيبي، واللغة والكلام، والتضمين (الإيحاء) والتعيين (التقرير الحرفي) . وقد تناول فردياند دوسوسير هذه الثنائيات بإسهاب مستفيض في كتابه: (المحاضرات في اللسانيات العامة) ، في لحظة التقنين لعلم لغوي جديد، ألا وهو اللسانيات، والذي أقامه على أنقاض مرحلة الفيلولوجيا (فقه اللغة) ، ومرحلة فلسفة اللغة. وفي هذا الصدد، يرى رولان بارت بأنه:"يجب، منذ الآن، تقبل إمكانية قلب الاقتراح السوسيري، فليست اللسانيات جزءا، ولو مفصلا، من السيميولوجيا، ولكن الجزء هو السيميولوجيا، باعتبارها فرعا من اللسانيات، وبالضبط ذلك القسم"

(1) - بيير غيرو: السيمياء، ترجمة: أنطوان أبي زيد، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، باريس، الطبعة الأولى سنة 1984 م، ص:6.

(2) - بيير غيرو: السيمياء، ص:6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت