(علامات الترقيم:
تقوم علامات الترقيم بأدوار هامة في توضيح الدلالات، وتبيان المعاني، واستكشاف الرؤى الموضوعاتية والمقصدية، وتحسين القراءة بكل أنواعها: السريعة، والعادية، والعميقة، وتجويد التوقف تارة، والاسترسال في المتابعة البصرية تارة أخرى، وتقسيم الأفكار وتوزيعها، وتنظيم المقال أو الدراسة أو البحث فضائيا وبصريا. ومن هنا، تؤدي علامات الترقيم دلالات سيميائية عدة، لغة وأيقونا ورمزا وإشارة. والآتي، أنها ترتبط بسياق النص ذهنيا ووجدانيا وحركيا، فحينما نتعامل - مثلا- مع علامة التأثر أو التعجب، فإننا نتفاعل مع الجملة وسياقها تعبيرا وانفعالا وحركة، لنخرج كل ما لدينا من طاقة تعبيرية لأداء الجملة أداء حسنا. و"لئن أمسى الترقيم المؤسس على الاعتبارات التركيبية والنحوية، والمتسم بغزارة العلامات، أو ثق صلة بالكتابي منه بالشفوي، فإنه في حالة تراجع حاليا، خاصة، وأن مسالة الترقيم في نظر أهل الذكر اليوم تدور في المقام الأول على الفهم والإفهام. أي: إن الترقيم ليس تابعا للنحو وحده، ولا للتنفس والتنغيم على حدة، بل هو مجال مشترك بين ذلك كله، فضلا عن صلته بالمنطق صلة جعلته خليقا بتحقيق العبور [عبور الفحوى] من الكاتب المبدع إلى جمهوره، فكأن الترقيم جسر بين عقلين، أو قل هو بمثابة سفير منتج النص لدى قرائه. لذا، يؤكد جاك دريون أن:"الترقيم ليس قضية تركيب أو تنفس، بقدر ماهو نتيجة حتمية لشكل معين من أشكال التفكير. أما القاعدة الضابطة له، فهي تلك التي تقتضيها الفكرة المعبر عنها. بل إن الغاية المرتجاة منه تنبع من صميم التفكير ذاته". ثم، إن ربط وظائف الترقيم بمطلب الفهم والإفهام يجعل الوقف في حد ذاته ظاهرة خاضة للمنطق. يقول نوفارينا في هذا الصدد:"إن الفكرة تنفس".أي: إن الوقف ليس مستقلا، وإنما هو من توابع التفكير. أي: إن السكتات المقررة بمقادير مضبوطة في مواضع معينة، ليست مجرد محطات تنفسية بالمعنى البيولوجي للتنفس، وإنما في المقام الأول وقفات معنوية، فالعبرة من الناحية اللغوية ليست بأن يستعيد القارئ نفسه، بل المهم أن يتعاطى القارئ السكت بمقادير معلومة، وفي مواضع محددة من السلسلة المنطوقة رفعا للبس، وصونا لمقصد المتكلم عن التبدل. [1] "
(1) - د. عبد الستار بن محمد العوني: (مقاربة تاريخية لعلامات الترقيم) ، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد السادس والعشرون، العدد الثاني، أكتوبر/ديسمبر 1997 م، ص:312.