الصفحة 148 من 193

بيد أن ما يلاحظ على منهجية تحليل المضمون هو تأرجحها بين الذاتية والموضوعية. فمن الصعب أن يكون الباحث أو الدارس موضوعيا في هذا النوع من التحليل؛ لأنه لابد أن ينطلق من منطلقات ذاتية في تحليل كذا نوع من المحتويات، مهما حاول هذا الباحث التجرد من أهوائه العاطفية والانفعالية والإيديولوجية. وفي هذا الصدد، يقول أحمد أوزي:"من المشاكل التي تقابل الباحث الذي يستخدم أي أداة من أدوات جمع البيانات تحديد مدى ثبات، وصدق أدواته، حتى يتم الاطمئنان إلى نتائج بحثه. وتحليل المضمون لايشد عن هذه القاعدة. غير أن معياري الصدق والثبات ليسا مقصورين على مرحلة من مراحل تحليل المضمون دون أخرى، إذ من الممكن أن يتسرب الخطأ إلى البحث في أي مرحلة من مراحله، مما يقلل من صحة النتائج، ويؤدي إلى الطعن في صحتها." [1]

وعلى أي حال، سيبقى تحليل المضمون أداة ناجعة في تحليل الوثائق والإرساليات والخبرات، مهما كان نوعها ومجالها وطبيعتها، مادامت تعتمد على استنطاق المعطيات والبيانات في ضوء التحليلين: الكيفي والكمي. وبالتالي، تستهدي بالفرضية إن تشريحا وتركيبا، وإن استقراء واستنباطا.

يتبين لنا، من خلال ما سبق ذكره، بأن تحليل المضمون، سواء أكان منهجية أم أداة أم أسلوبا، طريقة ناجعة ومفيدة في الملاحظة، والتحليل، والمعالجة، والتأويل، والاستنتاج. بمعنى أن تحليل المضمون أداة إجرائة ناجحة في دراسة المواد الإعلامية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، والثقافية، والتربوية، والأدبية ... ، بغية تحديد معطياتها الموضوعاتية تعريفا وتصنيفا وترميزا وتكميما. وبعد ذلك، تأتي مرحلة المعالجة الإحصائية، والتحليل الدلالي، والفهم الموضوعاتي الظاهري والمضمر، واستخلاص النتائج، والتثبت من مدى صحة الفرضية، مع تبيان مجمل التوصيات والاقتراحات المهمة.

وعلى الرغم من أهمية هذه الأداة في الملاحظة والوصف والمعالجة والتحليل والفهم والتفسير في مجال التربية والتعليم، أو في مجالات أخرى، إلا أنها تبقى أداة غير موضوعية بشكل أو بآخر؛ إذ يغلب عليها الذاتية، وعدم مصداقية بعض النتائج التي يصل إليها الباحث الذي يستخدم تحليل المضمون، على الرغم من وجود الأدوات الإحصائية. ومن ثم، تبقى البحوث التجريبية أكثر مصداقية وعلمية وموضوعية من باقي الأدوات والآليات المنهجية الأخرى في دراسة الظواهر البيداغوجية والديداكتيكية.

(1) - د. أحمد أوزي: نفسه، ص:141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت