وبناء على ما سبق، يتأكد لنا أن ثمة طريقتين في التعامل مع الظواهر المجتمعية، إما أن نتمثل الطريقة الوضعية التفسيرية في تبيان العلاقات الثابتة التي توجد بين الظواهر والمتغيرات، وإما أن نتمثل طريقة الفهم لاستجلاء البعد المجتمعي بفهم أفعال الذات وتأويلها.
وعلى العموم، يعتمد علم الاجتماع على ثلاثة مبادئ منهجية أساسية هي: الفهم، والتفسير، والتأويل. ويعني المبدأ المنهجي الأول فهم فعل الفرد في إطار نظرية التأثير والتأثر أو في إطار نظرية التفاعل الاجتماعي. أي: فهم المعاني التي يتخذها الفعل الفردي داخل المجتمع المعطى. وينسجم هذا المبدأ مع العلوم الإنسانية أو علوم الثقافة والروح. وبما أن الإنسان فاعل فردي يملك وعيا، ويصدر فعله عن معنى أو مقصدية ما، فمن الصعب دراسته دراسة علمية سببية وعلية موضوعية؛ لأن ذلك يتنافى مع مبدإ الذاتية في العلوم الإنسانية. وأكثر من هذا، فالإنسان فرد واع وعاقل وحساس لايمكن مقاربته في ضوء علوم التفسير؛ لأن النتائج ستكون- بلاريب - نسبية ليس إلا، مهما حاولنا أن نتمثل العلمية والحياد والنزاهة الموضوعية في ذلك.
ويعني المبدأ المنهجي الثاني تمثل التأويل في إدراك حقيقة الواقع أو العالم الموضوعي. ويعني هذا أن فهم فعل الفاعل الفردي لايمكن أن يتحقق إلا بمعرفة الأحكام المسبقة، وتحديد السياق المجتمعي، والانطلاق من المعرفة الخلفية، والبحث عن جميع المصادر التي تساعدنا على فهم ذلك الفعل، واستجلاء المعنى الذي يصدر عنه. ويمكن الاستعانة كذلك بالأفكار المسبقة، على الرغم من تعارض ذلك مع العلم، على أساس أنها مصادر أولية تسعفنا في تفهم الفعل وتأويله. ومن هنا، يتطلب الفهم ثقافة شخصية من جهة أولى،