المغرب من بسكرة إلى القدوم إلى حضرة ملكه بمدينة فاس، فخرج من بسكرة يؤمّ دار الملك فاس فأصابته بطريقه شدّة أذهبت المال حتى بقي عاريا يومين من البرْد، ومن حينئذ حدث له وجع في أعضائه ما برح يتألّم منها حتّى مات، [1] وكادت هذه الشدّة تأتي على النفس لولا لطف الله وجميل صنعه.
ومات السلطان عبد العزيز قبل قدومه عليه، فدخل فاس في جمادى من سنة أربع وسبعين، فأكرمه الوزير أبو بكر بن غازي القائم يومئذ بدولة بني مرين، ووفّر جرايته وإقطاعه، وأقام بمكانه في دولتهم أثير المحلّ، نابه الرتبة، عريض الجاه، منوّه المجلس عند السلطان السعيد أبي بكر بن عبد العزيز إلى أن خُلِع، وملك بعده السلطان أبو العباس [2] ابن عمّه، فأغراه الوزير محمد بن عثمان به حتى قبض عليه ثم أطلقه. فسار إلى مرّاكش ورحل منها إلى الأندلس، فدخلها في شهر ربيع سنة ست وسبعين فلقيه سلطانها بأفضل البِرِّ وأجلّ الكرامة، وأحسن النّزل على عادته، فساء أهل الدولة بفاس ذلك، وما زالوا بابن الأحمر صاحب الأندلس حتى أوحشوه منه، وطلبوا منه أن يسيره إلى تلمسان، فأجازه إليها، وسار حتى دخلها والجو مظلم بينه وبين سلطانها أبي حمّو، بما كان من إجلابه العرب عليه مشايعة للسلطان عبد العزيز المريني، فأراده بسوء ثم صرفه الله عن ذلك لعذل محمد بن عريف ولومه له، عادة من الله تعودها من جميل الصنع وخفيّ اللطف.
وما زال بتلمسان مع أهله وولده يبث العلم وينشره [3] إلى أن تخيّل من السلطان فخرج منها ولحق بأحياء أولاد عريف في البادية فتلقّوه بالكرامة والبرّ، فمكث بين أظهرهم مع أهله وولده أربعة أعوام، متخلّيّا عن الشواغل كلها، فارغ البال من مقابلة السلطان ومقارعة الأعداء، فشرع حينئذ في تأليف كتاب «عنوان العبر» وأكمل مقدمته في تلك الخلوة.
ثم ارتحل عنهم في شهر رجب سنة ثمانين يريد تونس، جوه الذي ربى فيه، وعشّه الذي درج منه، فسلك القفراء إلى سوسة، فلقي بها أبا العباس سلطان تونس والخليفة بزعمهم، فبرّ مقدمه وبالغ في تأنيسه، وشاوره في مهمات أموره، وجهّزه إلى تونس، وقد أوعز إلى نائبه بها أن يهيأ له منزلا ويقوم بكفايته من الجراية والعلوفة وغيرها. فوصل إلى تونس في شعبان من سنة ثمانين وتفيّأ وارف ظلّ العناية من السلطان، واجتمع شمله بما له من
(1) علم ابن خلدون بوفاة أبي فارس عبد العزيز قبل وصوله إلى تلمسان، فلم يتمكّن من مواصلة طريقه بل أصبح طريد قوّات أبي حمّو الذي استرجع تلمسان، فجنح نحو الجنوب الغربي قاصدا فاس لكنه تعرّض للنهب من قِبل بعض قطّاع الطرق، وأجبر على الهروب شبه عارٍ نحو جبال قريبة من موقع الحدث حيث ظلّ بضعة أيّام في برد شديد واحتياج تام قبل وصوله إلى فاس. ويبدو أنه قد أصيب بمرض المفاصل بسبب هذا البرد الذي لازمه طوال حياته وربما كان سببا في وفاته.
(2) أبو العبّاس المستنصر أحمد ابن أبي سالم. (775 - 786/ 1374 - 1384)
(3) عندما علم أبو حمّو بإقامة ابن خلدون بمنطقة العُبّاد، غضّ الطرف عن العداوة السّابقة وفضّل استغلال إمكانياته في استنفار القبائل، فدعاه للقيام بمثل هذه المهمّة، لكن صاحب العبر سئم هذه الحياة الصّاخبة التي لا نتيجة من ورائها بالنسبة إليه، فتظاهر بقبول الأمر وقرّر الإفلات من براثن عدوّه، فاتجه نحو بني عريف من أولاد توجين مستصرخهم طالبا منهم اللجوء بحماهم، فأنزلوه بقلعة بني سلامة في أواخر سنة 776 (ماي 1375) حيث انعزل كليّا رفقة عائلته وبدأ في تأليف العبر.